ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
234
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
بأن تعرف أن الكبير من هو كبير عند اللّه ( تعالى ) ، وذلك موقوف على الخاتمة ، وهو مشكوك فيه ، فيشغلك خوف الخاتمة على أن تتكبر مع الشك فيها على عباد اللّه ويقينك وإيمانك في الحال لا يناقص تجويزك في الاستقبال ، فإن اللّه مقلب القلوب يهدي من يشاء ويضل من يشاء . والاخبار في الحسد والكبر كثيرة ويكفيك منها خبر معاد - وسيأتي ان شاء اللّه في الباب السابع - . ثم قال : فتأمل أيها الراغب في العلم في هذه الخصال واعلم أن أعظم الأسباب في رسوخ هذه الخبائث في القلب طلب العلم لأجل المباهاة والمناقشة ، والعامي في معزل من أكثر من هذه الخصال ، والمتفقهة متهدفون بها وهم متعرضون للهلاك بسببها فانظر أن أهم أمورك أن تتعلم كيفية الحذر من هذه المهلكات وتشغل بإصلاح قلبك وعمارة آخرتك ، فإنه الأهم من أن تخوض مع الخائضين وتطلب من العلم ما هو سبب زيادة الكبر والرياء والحسد والعجب حتى تهلك مع الهالكين ، واعلم أن هذه الخصال الثلاث من أمهات خبائث القلب ولها مغرس واحد وهو حب الدنيا ، ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » ، ومع هذا فالدنيا مزرعة الآخرة ممن أخذ من الدنيا بقدر الضرورة ويستعين به على الآخرة فالدنيا مزرعته ، ومن أراد الدنيا للتنعم فالدنيا مهلكته ، فهذه نبذة يسيرة من ظاهر علم التقول وهي بداية الهداية ، وإن كنت تطلب المعرفة من القيل والقال والمراء والجدال فما أعظم مصيبتك وما أطول تعبك وما أعظم حرمانك ، فاعمل ما شئت فإن الدنيا التي تطلبها به لا تسلم لك والآخرة تسلب عنك ، فمن طلب الدنيا بالدين خسرهما جميعا ، ومن ترك الدنيا للدين ربحهما جميعا ، فهذه جمل الهداية إلى بداية الطريق في معاملتك مع اللّه ( تعالى ) بأداء أوامره واجتناب نواهيه ، فإن جربت فيها نفسك فطاوعتك عليها وإلّا فعليك بكتاب إحياء العلوم لتعرف كيفية الوصول إلى باطن التقوى ، فإذا عمرت بالتقوى باطن قلبك فعند ذلك ترتفع الحجب بينك وبين ربك فتكشف لك أنوار المعارف وتتفجر من قلبك ينابيع الحكمة وتتفتح لك أسرار الملك والملكوت وتتيسر لك من العلوم ما تستحقر به هذه العلوم المحدثة التي لم يكن لها ذكر في زمان الصحابة والتابعين . وقال أيضا في إحياء العلوم : اعلم أن بدن الإنسان تركب من أصناف ثلاثة : البهيمية والسبعية ، والجوهر الرباني ، فاحتيج إلى البهيمية بحفظ البدن بما يتناوله شهوة