ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

233

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

قط من خلق كثير من أقرانه ممن أنعم اللّه عليهم بعلم أو مال أو جاه ، فلا يزال في عذاب دائم في الدنيا إلى موته ، ولعذاب الآخرة أشد وأكبر ، بل لا يصل العبد إلى حقيقة الإيمان ما لم يحب لسائر المسلمين ما يحبه لنفسه ، بل ينبغي أن يساهم المسلمين في السراء والضراء ، والمسلمون كالبنيان الواحد يشد بعضهم بعضا ، وكالجسد الواحد يشتكي إذا اشتكى سائر البدن ، فإن كنت لا تصادف هذا من قلبك فاشتغالك بطلب التخلص عن الهلاك أهم من اشتغالك بنوادر الفروع وعلم الخصومات ، وأما الرياء فهو الشرك الخفي وهو أحد الشركين وذلك بطلبك المنزلة في قلوب الخلق لتنال به الجاه من الهوى المتبع للملك ، وفيه هلك أكثر الناس ، فما أهلك الناس إلّا الناس ، ولو أنصف أكثر الناس لعلموا أن أكثرهم ما فيه من العلوم والعبادات فضلا من أعمال العادات ، ليس يحملهم عليها إلّا مراءاة الناس وهي من محبطات الأعمال ، حتى وردت في الأخبار أن الشهيد يؤمر به يوم القيامة إلى النار فيقول : يا رب إني استشهدت في سبيلك ، فيقول اللّه ( تعالى ) : أردت أن يقال إنك شجاع فقد قيل وذلك أجرك ، وكذلك يقال للعالم والحاج والقارئ ، وأما العجب والكبر والفخر فسببها نظر العبد إلى نفسه بعين العز والاستعظام ونظره إلى غيره بعين الإحتقار ، ونتيجته على اللسان من يقول : أنا وأنا ، كما قال إبليس اللعين : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ « 1 » وثمرته في المجالس الترفع والتقدم وطلب التصدر ، وفي المحاورة الاستنكاف من أن يرد كلامه عليه ، والمتكبر هو الذي إن وعظ أنف ، وإن وعظ عنف ، وكل من رأى نفسه خيرا من أحد من خلق اللّه فهو متكبر ، بل ينبغي أن يعلم أن الخير من هو خير عند اللّه في دار الآخرة ، وذلك غيب وهو موقوف على الخاتمة ، فاعتقادك في نفسك أنك خير من غيرك جهل محض ، بل ينبغي أن لا تنظر إلى أحد إلّا وتراه خيرا منك وأن الفضل له على نفسك ، فإن رأيت صغيرا قلت : هذا لم يعص اللّه وأنا قد عصيته ، فلا شك أنه خير مني ، وإن رأيت كبيرا قلت : هذا قد أعطى ما لم أعط وقد بلغ ما لم أبلغ وقد علم ما جهلت فكيف أكون مثله ، وإن كان جاهلا قلت : هذا قد عصى اللّه ( تعالى ) بجهل وأنا عصيته بعلم ، فحجة اللّه ( تعالى ) عليّ آكد ، وما أدري بما يختم لي وبم يختم له ، وإن رأيت كافرا قلت : ما أدري عسى أن يسلم ويختم له بخير ، وأما أنا فعسى أن يختم لي بسوء العمل ، فيكون هو غدا من المقربين وأنا من المبعدين ، فلا يخرج الكبر من قلبك إلّا

--> ( 1 ) - الأعراف : 12 .