ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
228
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
الموت ، وإذا امرأة عجوز عنده ، فجعلت تنظر حتى غمض وغصب وشجى وقالت : رحمك اللّه أي بني ، فقد كنت بنا بارّا وعلينا شفيقا فرزق اللّه عليك الصبر ، فقد كنت تطيل القيام وتكثر الصيام لا أحرمك اللّه ما أملت من رحمته وأحسن فيك العزاء ، ثم نظرت إلي وقالت : أيها العابد ، قد رأيت واعظا ونحن معك . وروي البيهقي عن ذي النون المصري قال : كنت في الطواف وإذا أنا بجاريتين قد أقبلتا وأنشأت إحداهما تقول : صبرت وكان الصبر خير معيشة * وهل جزع مني بمجد فأجزع صبرت على ما لو تحمل بعضه * جبال برضوى أصبحت تتصدع ملكت دموع العين ثم رددتها * إلى ناظري فالعين في القلب تدمع فقلت : ممن ذا يا جارية ؟ فقالت : من مصيبة نالتني لم تصب أحدا قط . قلت : وما هي ؟ قالت : كان لي شبلان يلعبان أمامي ، وكان أبوهما ضحّى بكبش فقال أحدهما لأخيه : يا أخي أريك كيف ضحّى أبونا بكبشه ؟ فقام وأخذ الآخر شفرة فنحره وهرب القاتل ، فدخل أبوهما فقلت له : إن ابنك قتل أخاه وهرب ، فخرج في طلبه فوجده قد افترسه السبع ، فرجع الأب فمات في الطريق ظمأ وجوعا . وحكى بعضهم قال : أصيبت امرأة بابنها فصبرت ، فقيل لها في ذلك فقالت : آثرت طاعة اللّه على طاعة الشيطان . ومن فوائد الصبر : الرضا بقضاء اللّه وقدره ، فالرضا له ثلاث درجات مرتبة في القوة ترتبها في اللفظ : الدرجة الأولى : أن ينظر إلى موقع البلاء والفعل الذي يقتضي الرضا ويدرك موقعه ويحس بألمه ، ولكن يكون راضيا به بل راغبا فيه مريدا له بعقله وإن كان كارها له بطبعه ، طالبا لثواب اللّه ( تعالى ) عليه ومزيد الزلفى لديه ، والفوز بالجنة التي عرضها السماوات والأرض وقد أعدت للمتقين ، وهذا القسم من الرضا هو رضى المتقين ، ومثاله مثال من يلتمس الفصد والحجامة من الطبيب العالم بتفاصيل أمراضه وما فيه صلاحه ، فإنه يدرك ألم ذلك إلّا أنه راض به وراغب فيه ومتقلد من الفصاد منّة عظيمة بفعله ، ومثله من سافر في طلب الربح فإنه يدرك مشقة السفر ، لكن حبّه لثمرة سفره طيبت عنده مشقة السفر وجعلته راضيا به ، ومهما أصابته بلية من اللّه ( تعالى ) وكان يقينه بأن ثوابه الذي أدخر له فوق ما فاته رضي به ورغب فيه وشكر اللّه عليه . الدرجة الثانية أن يذكر الألم كذلك ، ولكنه أحبه لكونه مراد محبوبه ورضاه ، فإنه