ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

229

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

من غلب عليه الحب كان جميع مراده وهواه ما فيه رضى محبوبه ، وذلك موجود في الشاهد بالنسبة إلى حب الخلق بعضهم بعضا ، قد تواصفها المتواصفون في نظمهم ونثرهم ولا معنى له إلّا ملاحظة حال الصورة الظاهرة بالبصر ، وما هذا الجمال إلّا جلد على لحم ودم مشحون بالأقذار والأخباث ، بدايته من نطفة مذرة ونهايته جيفة قذرة ، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة والناظر لهذا الجمال الخسيس هو العين الخسيسة تغلظ فيما ترى كثيرا فترى الصغير كبيرا والكبير صغيرا والبعيد قريبا والقبيح جميلا ، فإذا تصور الإنسان استيلاء هذا الحب فمن أين يستحيل ذلك في حب الجمال الأزلي الأبدي الذي لا ينتهي كماله المدرك بعين البصيرة التي لا يعتريها الغلط ولا يزيلها الموت ، بل تبقى بعد الموت حيّا عند اللّه فرحا ترزق عند اللّه مستفيدا بالموت مزيد تنبيه واستكشاف ، وهذا أمر واضح من حيث الاعتبار ، ويشهد له جملة من الآثار وردت من أحوال المحبين وأقوالهم فهذه درجة المقربين . الدرجة الثالثة : أن يبطل إحساسه بالألم حتى يجري عليها المؤلم ولا يحس ويصيبه جراحة فلا يدرك ألمه ، ومثاله الرجل المحارب فإنه في حال غضبه أو حال خوفه قد تصيبه جراحة وهو لا يحس بها حتى إذا رأى الدم استدل به على الجراحة ، بل الذي يعد وفي شغل مريب قد تصيبه شوكة في قدمه ولا يحس بألمه لشغل قلبه ، بل الذي يحجم أو يحلق رأسه بحديدة كآلة يتألم بها ، فإن كان قلبه مشغولا بمهم من مهماته يفرغ الحجام والحالق وهو لا يشعر به ، وكل ذلك لأن القلب إذا كان مستغرقا بأمر من الأمور لم يدرك ما عداه ، ونظائر ذلك في هموم أهل الدنيا واشتغالهم بها وإكبابهم عليها حتى لا يتألمون ولا يحسون بالجوع والعطش والتعب ، وذلك كثير مشاهد عيانا ، فكذلك العاشق المستغرق الهم بمشاهدة محبوبه قد يصيبه ما كان يتألم به أو يغتم لولا عشقه ، ثم لا يدرك غمه وألمه لفرط استيلاء الحب على قلبه ، هذا إذا أصابه من غير حبيبه ، فكيف إذا أصابه من حبيبه ؟ وشغل القلب بالحب والعشق من أعظم الشواغل ، وإذا تصور هذا في ألم يسير بسبب حب حقير تصور في الألم العظيم بالحب العظيم ، فإن الحب أيضا يتصور تضاعفه في القوة كما يتصور تضاعف الألم وكما يقوى حب الصورة الجميلة المدركة بحاسة البصر ، فكذلك يقوى حب الصورة الجميلة الباطنة المدركة بنور البصيرة الربوبية ، وجلالها لا يقاس بها جلال ، فمن انكشف له شيء منه فقد يبهره بحيث يدهش ويغشى عليه فلا يحس بما يجري .