ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
127
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
وسئل بعضهم : أيما أحمد في الصبا الحياء أم الخوف ؟ قال : الحياء لأن الحياء يدل على العقل ، والخوف يدل على الجبن . وقال أبو الدرداء : قال لي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : يا عويمر ، إزدد عقلا تزدد من اللّه قربا . قلت : بأبي وأمّي ومن لي بالعقل ؟ قال : اجتنب محارم اللّه ( تعالى ) وأدّ فرائض اللّه تكن عاقلا ، ثم تنتقل إلى صالح الأعمال تزدد في الدنيا عقلا وتزدد من اللّه قربا وعليه عزّا . وقال بعض الحكماء : العاقل من عقله في إرشاد ، ورأيه في إمداد ، وقوله سديد ، وفعله حميد ، والجاهل : من جهله في إغراء ، وقوله سقيم ، وفعله ذميم ، ولا يكفي في الدلالة على عقل الرجل إلاغترار بحسن ملبسه وملاحة سمته وتسريح لحيته وكثرة صلفه ونظافة بدنه ، إذ كم من كنيف مبيض وجليد مفضض . وقد قال الأصمعي : رأيت بالبصرة شيخا له منظر حسن وعليه ثياب فاخرة وقوله حاشية هرج وعنده دخل وخرج ، فأردت أن أختبر عقله فسلمت عليه وقلت له : ما كنية سيدنا ؟ فقال : أبو عبد الرحمن الرحيم ملك يوم الدين . قال الأصمعي : فضحكت منه وعلمت قلة عقله وكثرة جهله ، ولم يدفع ذلك عنه غزارة دخله وخرجه وقد يكون الرجل موسوما بالعقل مرقوما بعين الفضل فتصدر منه حالة تكشف عن حقيقة حاله وتشهد عليه بقلة عقله واختلاله . وقيل : إن إياس بن معاوية القاضي كان من أكابر عقلاء العالم ، وكان عقله يؤديه ، إلى سلوك طرق لا يكاد يسلكها من لم يهتد إليها ، وكان من جملة الوقائع التي صدرت منه وشهدت له بالعقل الراجح والفكر القادح أنه كان في جماعة رجل مشهور بين الناس بالأمانة فاتفق أن رجلا أراد أن يحج ، فأودع عند ذلك الرجل الأمين كيسا فيه جملة من الذهب ثم حج ، فلما عاد من حجّه جاء إلى ذلك الرجل وطلب كيسه منه فأنكره وجحده ، فجاء إلى القاضي إياس وقصّ عليه القصة فقال له القاضي : هل أخبرت أحدا بذلك غيري ؟ قال : لا ، قال : فهل علم الرجل أنك جئت إليّ ؟ قال : لا . قال : انصرف واكتم أمرك ثم عد إليّ بعد غد . ثم إن القاضي دعا ذلك الرجل المستودع فقال له : قد حصل عندي أموال كثيرة ورأيت أن أودعها عندك فاذهب وهيء موضعا حصينا ، فمضى ذلك الرجل وحضر صاحب الوديعة بغير علم ، فقال له القاضي : امض إلى خصمك واطلب منه وديعتك ، فإن جحدك فقل له أمض معي إلى القاضي الحاكم أنا وأنت عنده ، فلما جاء إليه دفع إليه كيسه ، فجاء إلى القاضي وأعلمه بذلك ، ثم إن ذلك