ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
128
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
الرجل المستودع جاء إلى القاضي طامعا في تسليم المال ، فسبّه القاضي وأبطل قوله ، وكان هذا من جملة ما يدل على عقله وصحة فكره . ولما مات بعض الخلفاء اختلف الروم واجتمعت ملوكها فقالوا : الآن يشتغل المسلمون بعضهم ببعض فيمكننا الفترة منهم والوثبة عليهم ، فضربوا في ذلك مشاورات وتراجعوا فيه بالمناظرات وأجمعوا على أنه فرصة ، وكان رجل منهم من ذوي العقل والمعرفة والرأي غائبا عنهم ، فقالوا : من الجزم عرض الرأي عليه ، فلما أخبروه بما أجمعوا عليه قال : لا أرى ذلك صوابا فسألوه عن علّة ذلك ، فقال : في غد أخبركم إن شاء اللّه ، فلما أصبحوا أتوا إليه وقالوا : قد وعدتنا أن تخبرنا في هذا اليوم بما عوّلنا عليه ، فقال : سمعا وطاعة ، ثم أمرنا بإحضار كلبين عظيمين ثم أغراهما وهوّش بينهما وحرّش كل واحد منهما على الآخر ، فتواتها وتهارشا حتى سالت دماؤهما ، فلما بلغا الغاية فتح باب بيت عنده وأرسل على الكلبين ذئبا عنده قد أعدّه ، فلما بصراه تركا ما كانا عليه وتألفت قلوبهما ووثبا جميعا على الذئب فقتلاه ، فأقبل الرجل على أهل الجمع فقال : مثلكم على المسلمين مثل هذا الذئب مع الكلاب ، لا يزال الهرج بين المسلمين ما لم يظهر لهم عدو من غيرهم ، فإذا ظهر عدو من غيرهم تركوا العداوة بينهم وتألفوا على العداوة ، فاستحسنوا قوله واستصوبوا رأيه ، فهذه صفة العقلاء . وأما ذم الحمق فقد قال ابن الأعرابي : الحماقة مأخوذة من حمقت السوق إذا كسدت ، فكأنه كاسد العقل والرأي فلا يشاور ولا يلتفت في أمر من الأمور إليه ، والحمق غريزة لا تنفع فيها الحيلة ، وهي داء دواؤه الموت . قال الشاعر : لكل داء دواء يستطب به * إلّا الحماقة أعيت من يداويها والحمق مذموم . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : الأحمق أبغض الخلق إلى اللّه ( تعالى ) إذ حرمه أعزّ الأشياء إليه وهو العقل ، ويستدل على صفة الأحمق من حيث الصورة بطول اللحية لأن مخرجها من الدماغ ، فمن أفرط طول لحيته قلّ دماغه ، ومن قل دماغه قل عقله فهو أحمق . وأما صفته من حيث الأفعال فترك نظره في العواقب وثقته بمن لا يعرفه ، والعجب وكثرة الكلام وسرعة الجواب وكثرة الالتفات والخلو من العلم والعجلة والخفة والسفه والظلم والغفلة والسهو والخيلاء ، إن استغنى بطر وإن افتقر قنط ، وإن قال فحش وإن