ابن رضوان المالقي
14
الشهب اللامعة في السياسة النافعة
وصحبة عبد المهيمن يقابل العدد العديد منهم . وفي تلمسان قابل عالم المعقولات الكبير أبا عبد اللّه محمد بن إبراهيم الابلي ( المتوفى سنة 757 ) وحضر مجالسه . ثم قرر السلطان أبو الحسن المريني غزو تونس ، ورافقه رجال حاشيته ، ومنهم عبد المهيمن وابن رضوان ، كما اصطحب السلطان أيضا عددا من العلماء منهم الآبلي وفي تونس تقابل الرجلان ابن رضوان وابن خلدون . كان ابن خلدون قناص علم ومنصب ، وكان ينتمي إلى أسرة تونسية كبيرة . فلما وصل السلطان أبو الحسن المريني إلى إفريقية ( تونس ) وفي صحبته هذا العدد الجم من العلماء - وفيهم - عبد المهيمن والآبلي - اتصل ابن خلدون بهم - وقد استرعى نظره هذا الشاب الذي لم يتجاوز حينئذ الثامنة والعشرين ، وهو في المنصب الخطير - الرجل الثاني - بعد عبد المهيمن في حضرة السلطان . ويصفه ابن خلدون « وممن قدم في جملة السلطان أبي الحسن : صاحبنا أبو القاسم عبد اللّه بن يوسف بن رضوان المالقي . كان يكتب عن السلطان ، ويلازم خدمة أبي محمد عبد المهيمن ، رئيس الكتاب يومئذ . وكان ابن رضوان هذا من مفاخر المغرب في براعة خطه ، وكثرة علمه ، وحسن سمته ، وإجادته في فقه الوثائق ، والبلاغة في الترسيل عن السلطان ، وحوى الشعر ، والخطابة على المنابر ، لأنه كان كثيرا ما يصلي بالسلطان . فلما قدم علينا بتونس ، صحبته ، واغتبطت به ، وان لم اتخذه شيخا لمقاربة السن ، فقد افدت منه ، كما افدت منهم « 23 » » والنص نادر حقا ، فهو يؤكد معرفة ابن خلدون الوثيقة بابن رضوان . ويعترف ابن خلدون بأنه استفاد منه ، كما استفاد منهم ، أي من بقية المشايخ الكبار الذين كانوا في صحبة السلطان ، ولكن طبيعة ابن خلدون القلقة المتوثبة ، وغروره وتعجرفه المشهوران ، كل هذا مما جعله يأبى أن يقول : ان ابن رضوان كان من مشايخه . مع أن ( العلم ) في عصور الإسلام المتعددة ، إنما كان أخذا وعطاء . يتتلمذ هذا على ذاك وذاك على هذا . ولكن أليس من المحتمل أن ابن خلدون قد أراد بانكار تلمذته على ابن رضوان ، أمرا أبعد من هذا . انه بلا شك كان يتشوق في أعماقه إلى مثل وظيفة ابن رضوان ، بل أكبر من وظيفة ابن رضوان في البلاط المريني ، وسينجح في هذا ، ولكن ان من المرجح أنه أراد بهذا أن يوهم القارئ بأنه لم يطلع على كتاب الشهب ، وعلى غيره من كتب ، لكي يثبت أصالته هو فيما كتبه عن العلم الجديد الذي اكتشفه كاملا ، أو الذي خيل له
--> ( 23 ) ابن خلدون : التعريف ص 22 ، 23