ابن رضوان المالقي
15
الشهب اللامعة في السياسة النافعة
أنه اكتشفه . أيا ما كان الأمر ، فإننا سنعود إلى بحث هذا المسألة فيما بعد . وعاش ابن رضوان في تونس ، في ظل السلطان ، يؤدي عمله كأحسن ما يكون الأداء ، ويستزيد علما من حلقات السلطان العلمية ، ومن مقابلات العلماء المتعددين . وممن قابلهم واستفاد منهم أكبر استفادة ، كبير علماء تونس حينئذ وقاضي الجماعة بها أبو عبد اللّه محمد بن عبد السلام الهواري ( المتوفى سنة 749 ) « 24 » ، وصفت الحياة لابن رضوان في تونس ، وازداد قربا من أبي الحسن المريني ، كما علا قدره في أعين الناس . فاقبل عليه الشعراء والعلماء يمدحونه ويتقربون منه . ولكن ما لبثت العواصف السياسية والعسكرية أن أحاطت بالسلطان أبي الحسن ، فثار بنو سليم عليه وغدروا به ، وحاصروه بالقيروان . وقام أهل تونس بالثورة على أشياع السلطان وحاشيته ، فاعتصم هؤلاء بالقصبة ، وكان بها ولد السلطان وأهله . وانتفض شيخ الموحدين أبو محمد بن عبد اللّه بن تافراكين على أبي الحسن ، واتفق مع العرب الثائرين من سليم ، على أن يبعثوا ابن تافراكين إلى تونس ، للقضاء على حاشية السلطان بها . فحاصر القصبة ، ولكن جند السلطان حاربوه ، فامتنعت عليه . وانفض عن حاشية السلطان وحرمه وأولاده في هذا الوقت العصيب ، أقرب الناس إليه ، ومنهم عبد المهيمن ، فما ان وقعت الهيعة ، حتى خرج من بيته إلى دار بني خلدون ، وكان على صلة بهم ، فاختفى عندهم نحوا من ثلاثة أشهر . أما ابن رضوان . فقد ثبت ثباتا نادر المثال ، في هذا الوقت العصيب ، مع اتباع السلطان الأقربين وأهل بيته ، ولم يهرب ولم يختف ، بل « جلى عند الحصار فيما عرض لهم من المكاتبات ، وتولى كبر ذلك ، فقام فيه أحسن قيام » وتمكن السلطان أبو الحسن من الاقلاع من القيروان إلى سوسة ، ومنها إلى تونس ، وأعجب أبو الحسن المريني باخلاص ابن رضوان ومروءته ، « ورعى له حق خدمته ، تأنيسا وقربا وكثرة استعمال » ورأى السلطان أن يعود إلى المغرب عام ( 750 ه ) فاستخلف ابنه أبا الفضل ، وترك ابن رضوان كاتبا له فأقام كذلك أياما ، ثم غلبهم على تونس الفضل ابن السلطان أبي يحيى ، ونجا أبو الفضل إلى أبيه ولم يطق ابن رضوان
--> ( 24 ) انظر الوصف البارع للدكتور احسان عباس عن إقامة ابن رضوان في تونس . كتاب العيد ص 116 ، وانظر ترجمة ابن عبد السلام في الديباج ص 336 - 337 وفي نيل الابتهاج ص 242