محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

80

الآداب الشرعية والمنح المرعية

البارد غسلا وشربا لأنها بمجرد كيفية حارة فتزول بكيفية باردة تسكنها بلا حاجة إلى استفراغ مادة أو انتظار نضج ، فإن للحمى على ما ذكره الأطباء حرارة غريبة تشتعل في القلب وتبث منه بتوسط الروح والدم في الشرايين والعروق إلى جميع البدن فتشتعل فيه اشتعالا يضر بالأفعال الطبيعية . ثم الحمى عرضية ومرضية ، فالعرضية حادثة عن حرارة الشمس أو شدة غيظ أو ورم أو حركة ونحو ذلك ، والمرضية لا تكون إلا في مادة أولى منها تسخن جميع البدن فإن كان مبدأ تعلقها بالروح سميت حمى يوم زوالها غالبا في يوم وغايتها ثلاثة أيام . وإن كان مبدأ تعلقها بالأخلاط سميت عفنة وهي صفراوية وسوداوية وبلغمية ودموية ، وإن كان تعلقها بالأعضاء الصلبة الأصلية سميت حمى دق ، ويحتمل أن يراد بالخبر أنواع الحمى . وقد ذكر جالينوس أن الشاب الحسن اللحم الخصب البدن ولا ورم في أحشائه إن استحم بماء بارد أو سبح فيه انتفع به ، وقال : ونحن نأمر بذلك وقال غيره : إذا كانت القوى قوية والحمى حارة جدا والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق ينفع الماء البارد شربا ، وإن كان خصب البدن والزمان حار وكان معتادا لاستعمال البارد من خارج فليؤذن فيه . قال بعضهم : قد ينتفع البدن بالحمى انتفاعا لا يبلغه الدواء فتكون حمى يوم وحمى العفنة سببا لإنضاج مواد غليظة لا تنضج بدونها ، وسببا لتفتح سدد لا تصل إليها الأدوية وتبرىء أكثر أنواع الرمد وتنفع من الفالج واللقوة والشنج الإمتلائي واللّه أعلم . ولا يعارض هذا ما ذكره الحافظ عبد القادر الرهاوي في تاريخه المادح والممدوح فيما ذكره من حديث محمد بن إسحاق الصنعاني عن معاوية يعني بن عمر عن أبي إسحاق يعني الفزاري عن الأعمش عن جعفر ابن عبد الرحمن عن أم طارق مولاة سعد قالت : أتانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاستأذن مرارا فلم يرد عليه فرجع فقال سعد : إئتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاقرئي عليه السّلام وأخبريه أننا سكتنا عنك رجاء أن تزيدنا فأتيته ، فبينما أنا قاعدة عنده إذ جاء شيء فاستأذن على الباب فقالت : أنا أم ملدم ، قال : " لا مرحبا ولا أهلا أتنهدين إلى أهل قباء " ؟ قالت نعم : قال : " فاذهبي إليهم " " 1 " رواه أحمد عن يعلى بن عبيد عن الأعمش وفيه أن أم طارق قالت : سمعت صوتا على الباب يستأذن فقال : من أنت ؟ وليس فيه فأقرئي عليه السّلام وذكر البخاري في تاريخه جعفر بن عبد الرحمن هذا وذكر معنى أول الخبر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أتى سعد بن عبادة فقال : " السّلام عليكم " فسلم ثلاثا فهذا الخبر إن صح فلا يعارض الخبر السابق لأن السابق أصح ولا تعارض بينهما ، وأم ملدم كنية الحمى والميم الأولى مكسورة زائدة

--> ( 1 ) رواه أحمد ( 6 / 378 ) وقال الهيثمي في المجمع ( 2 / 306 ) : رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات .