محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
53
الآداب الشرعية والمنح المرعية
يجوز فيها الكي لأنه لا يكون مزمنا إلا عن مادة رطبة غليظة قد رسخت في العضو وأفسدت مزاجه وأحالت جميع ما يصل إليه إلى مشابهة جوهرها فيشتغل في ذلك العضو فيستخرج بالكي لتلك المادة من ذلك المكان الذي فيه يأخذ الجزء الناري الموجود بالكي لتلك المادة . ففي هذا الحديث معالجة الأمراض المادية جميعها ، وهي إما حارة أو باردة أو رطبة أو يابسة أو ما تركب منها فهذه كيفيات أربع فالحرارة والبرودة فاعلتان ، والرطوبة واليبوسة منفعلتان ، وفي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " إن شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء " " 1 " معالجة الأمراض الساذجة التي لا مادة لها . وفي الصحيحين عن أبي سعيد رضي اللّه عنه أن رجلا أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إن أخي يشتكي بطنه ، وفي رواية استطلق بطنه فقال : " إسقه عسلا " فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فلم يغن عنه شيئا ، وفي رواية فلم يزده إلا استطلاقا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول له : " إسقه عسلا " فقال له في الثالثة أو الرابعة : " صدق اللّه وكذب بطن أخيك " " 2 " وفي لفظ لمسلم أن أخي عرب بطنه أي فسد هضمه واعتلت معدته والاسم العرب يفتح الراء والذرب أيضا وأراد بقوله عليه السّلام : " صدق اللّه " " 3 " هذه الآية وهو يدل على أن الضمير في قوله : فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [ سورة النحل : الآية 69 ] يرجع إلى العسل . ثم روي عن ابن مسعود وقتادة أنه عام في كل مرض . وقال السدي : فيه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه . قال ابن الجوزي : الصحيح أن ذلك خرج مخرج الغالب ، قال ابن الأنباري : الغالب في العسل أنه يعمل في الأدواء فإذا لم يوافق آحاد المرضى فقد وافق الأكثرين ، وهذا كقول العرب : الماء حياة لكل شيء وقد نرى من يقتله الماء ، وإنما الكلام على الأغلب . قال بعضهم : العسل جلاء للوسخ الذي في العروق والأمعاء وغيرها محلل الرطوبات أكلا وطلاء نافع للمشايخ وأصحاب البلغم ومن مزاجه بارد رطب ، مغذ ملين للطبيعة حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه ، مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة ، منق للكبد والصدر ، مدر للبول موافق للسعال عن بلغم ، وشربه حارا بدهن ورد ينفع من نهش الهوام وشرب الأفيون ، وشربه وحده ممزوجا بماء ينفع من عضة الكلب وأكل الفطر القتال . وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر ، وكذا إن جعل فيه القثاء والخيار والقرع والباذنجان ويحفظ كثيرا من الفواكه إلى ستة أشهر ، ويحفظ جثث الموتى ويسمى الحافظ الأمين ، وإذا لطخ به البدن المقمل والشعر قتل قمله وصئبانه وطول الشعر وحسنه ونعمه ، وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر وإن
--> ( 1 ) رواه الإمام مسلم ( الطب / 78 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 5684 ) ومسلم ( 2217 ) . ( 3 ) تقدم قريبا .