محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
392
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وقال : من الغلط العظيم أن يتكلم في حاكم معزول بما لا يصلح فإنه لا يؤمن أن يلي فينتقم وفي الجملة لا ينبغي أن يظهر العداوة لأحد أصلا ، وينبغي أن يحسن إلى كل أحد خصوصا من يجوز أن تكون له ولاية وأن يخدم العزول فربما نفع في ولايته - إلى أن قال - فالعاقل من تأمل العواقب وراعاها وصور كل ما لا يجوز أن يقع فعمل بمقتضى الحزم ، وأبلغ هذا تصور وجود الموت عاجلا لأنه يجوز أن يأتي بغتة من غير مرض فالحازم من استعد له وعمل عملا لا يندم إذا جاء ، انتهى كلامه . وقال أيضا : من جرت بينك وبينه مخاشنة فإياك أن تطمع في مصافاته وأن تأمنه فإنه لا يزال يرى ما فعلت والحقد كامن وقال أما العوام فالبعد عنهم متعين لأنهم ليسوا من الجنس فإذا اضطررت إلى مجالستهم فلحظة يسيرة بالهيبة والحذر ، فربما قلت كلمة فشنعوها ، ولا تلق الجاهل بالعلم ولا اللاهي بالفقه ، ولا الغبي بالبيان ، بل مل إلى مسالمتهم بلطف مع هيبة وأما الأعداء فلا ينبغي أن تحتقرهم فإن لهم حيلا باطنة والواجب مداراتهم ومصالحتهم في الظاهر ، ومن جنسهم الحساد فلا ينبغي أن يطلعوا على النعم فإن العين حق ، ومداراتهم لازمة ، وقال أبو بكر الأرجاني : ولو بلوت الناس أطلب منهم * أخا ثقة عند اعتراض الشدائد تطمعت في حالي رخاء وشدة * وناديت في الأحياء هل من مساعد فلم أر فيما ساءني غير شامت * ولم أر فيما سرني غير حاسد وقال آخر : من كان يأمل أن يسود عشيرة * فعليه بالتقوى ولين الجانب ويغض طرفا عن مساوي من أسى * منهم ويحلم عند جهل الصاحب وقال ابن عقيل في الفنون : إن حدثتك نفسك بوفاء أصحاب الزمان فقد كذبتك الحديث ما صدقتك الخبر ، هذا سيد البشر مات وحقوقه على الخلق أجمعين لحكم البلاغ والشفاعة في الأخرى ، وقد قال تعالى : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [ سورة الشورى : الآية 23 ] . وقد شبع به الجائع وعز به الذليل فقطعوا رحمه ، وضل أولاده بين أسير وقتيل ، وأصحابه قتلى : عمر في المسجد وعثمان في داره ، هذا مع إسداء الفضائل وإقامة العدل والزهد ، اطلب لخلفك ما كان لسلفك ، وقال : لا ينبغي لعاقل أن يعرف بعادة فيدهى منها مثل أن يصعب عليه أمر فيقصد به ويؤذي ، أو يعرف أنه يحب أمرا فيؤاخذ به ، حكي أن رجلا كان معروفا بأخذ الفال فاشترك جماعة على حيلة يأخذون بها مالا فقصده واحد منهم على دفعة بضاعة أو قرضا وجلس الشركاء في الحيلة على بعد فنادى أحدهم صاحبه استخر اللّه فهذه جهة