محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

393

الآداب الشرعية والمنح المرعية

مباركة . وقال الآخر : نعم ما هو إلا صواب ، فلما سمع ذلك قويت عزيمته على دفعه . وكان آخر يأكل ما يجده من الفتات . فجعل له في فتاته سم فأكله فمات ، فاحذر من اغتفال الأعداء . وقال أيضا : إن أبناء الزمان لا بقاء لهم على حال بينما نرى أحدهم على المحبة والشغف ، حتى ترى أحدهم على ضد ذلك من الملل والضجر ، فالعاتب لهم ظالم ، كما أن الواثق بهم خائب لأنهم إذا حقق النظر في أحوالهم يراهم في أسر المقادير مسلطات الأقضية والتصريف ، ثم الدهر موصوف بالاستحالة فكيف أبناؤه فإذا أوقع اللّه سبحانه الوحشة بينك وبين الخلق فإنما يصرفك إليه ويندبك إلى التعلق به . فاحمد إساءتهم إليك فإنهم لو أحسنوا معك الصنيع لقطعوك عنه ، لأنك ابن لقمة وابن كلمة طيبة أدنى شيء يقتطعك إليهم . وقال أيضا : لا تطلب من متجدد الرياسة أخلاقه معك حال العطلة فيرفضك ويؤذيك فتكون كالمعلم يتخلق مع من كان يعلمه بعد كبره كتخلقه معه حال كونه في المكتب ، وذاك بمثابة من يطلب من السكران أخلاق الصاحي فإن للرياسة سكرا ولولا ذلك ما قال اللّه عز وجل : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [ سورة طه : الآية 44 ] وبينه في قوله تعالى : هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [ سورة النازعات : الآية 18 ] . فأخرجه مخرج السؤال لا الأمر لموضع تجبره ، وكذلك من كان له أو لسلفه ولاية ومنصب ودولة وقد أفضى به الدهر إلى العطلة لا يقتضي أو لا ينبغي معاملته بماضي الرياسة . وقال في قصيدة كبيرة : أخوك الذي إن تدعه لعظيمة * يحبك وإن تغضب إلى السبق يغضب وقال في الفنون أيضا : من كمال الآداب تلمح النفس وإزالة كل ما يكره منها ويؤذي عند المخالطة ، وإن أمكن ذاك وإلا فإراحة الناس بالانفراد والاعتزال ، فالثقيل المخالط سقم في الأبدان ، ومؤنة على القلوب ، وتضييق للأنفاس : وحصر للحواس ، والألم يعري الأرواح ، فضلا عن الأشباح ، والقذر نقضه المجالس ، والمستعلم عما يستره الناس مكشف لأستار التجمل ، والأرعن مرتعد الطباع المغلوبة بالحكمة ، والأحمق مفسد للقوانين ، ومحوج إلى سوء أخلاق المعلمين ، ومزر على أهل الدنيا والدين ، والمهازل مسقط لوقار المجالس ، مذهب لحشمة المنازل ، وما حط شرفا مثل هزل . وقطع الروائح الكريهة والبعد عن مجالس الأنس ، فكم من أنيس بين جلساء أوحشه مداخله ثقيل يجهل ثقل نفسه على الناس ، وتقليل الكلام من حسن الإصغاء والإنصات ، والبعد عن العاملين ذوي النشاط إذا اعتراك التثاؤب والنعاس فذلك يكسل العمال ، ويفتر الصناع ، وانتقاد الألفاظ قبل إخراجها إلى الأسماع فكم من نم أراق دماؤكم من حرف جر حنقا . وإياك والكلام فيما ليس من مجارك فذاك يحط قدرك ، ويكشف عن محلك ، وأنت مع سكوتك مخبوء تحت لسانك تترامى ظنون الناس فيك