محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
391
الآداب الشرعية والمنح المرعية
الصورة فهو إلى الصلاح أقرب ، ومتى رأيت ذا عيب فاحذره مثل الكوسج والأعور والأعمى فقل أن ترى بأحد آفة في بدنه إلا وفي باطنة مثلها ، وإذا رأيت عيبا في شخص فلا تلحن عليه بالتأديب فالطبع عليه أغلب وداره فحسب . واعلم أن التأديب مثله كمثل البذر والمؤدب كالأرض متى كانت الأرض رديئة ضاع البذر فيها ، ومتى كانت صالحة نشأ ونما ، فتأمل بفراستك من تخاطبه وتؤدبه وتعاشره ، ومل إليه بقدر صلاح ما ترى من بدنه وآدابه فانظر إلى الصناع ولا تنظر إلى حائك أو معلم أو صاحب صناعة خسيسة فإنك وإن رأيت منه خلة جميلة فالكدر أثبت . والتجربة قبل الثقة والحذر بعد المعاملة وقل من يصفو ، فإن صفا فقل أن يثبت ، خذ من الناس جانبا وقال أيضا : ينبغي لمن صحب سلطانا أو محتشما أن يكون ظاهره معه وباطنه سواء فإنه قد يدس إليه من يختبره فربما افتضح في الابتلاء وأكثر الكلام في هذا المعنى . وقال أيضا : كان لي أصدقاء وإخوان فرأيت منهم الجفاء فأخذت أعتب ، فقلت وما ينفع العتاب ؟ فإنهم إن صلحوا فللعتاب لا للصفاء ، فهممت بمقاطعتهم فقلت : لا تصلح مقاطعتهم ينبغي أن تنقلهم إلى ديوان الصداقة الظاهرة ، فإن لم يصلحوا لها فإلى جملة المعارف ومن الغلط أن تعاتبهم . قال يحيى بن معاذ : بئس الأخ أخ تحتاج أن تقول له إذكرني في دعائك وجمهور الناس اليوم معارف وينذر منهم صديق في الظاهر ، وأما الأخوة والمصافاة فذلك شيء نسخ فلا تطمع فيه وما أرى الإنسان يصفو له أخوه من النسب ولا ولده ولا زوجته فدع الطمع في الصفاء ، وخذ عن الكل جانبا ، وعاملهم معاملة الغرباء ، وإياك أن تخدع بمن يظهر لك الود ، فإنه مع الزمان يبين لك الخلل فيما أظهره وقد قال الفضيل : إذا أردت أن تصادق صديقا فأغضبه فإن رأيته كما ينبغي فصادقه وهذا اليوم مخاطرة لأنك إذا أغضبت أحدا صار عدوا في الحال والسبب في نسخ حكم الصفاء أن السلف كانت همهم الآخرة وحدها فصفت نياتهم في الأخوة والمخالطة فكانت دينا لا دنيا ، والآن فقد استولى حب الدنيا على القلوب فإن رأيت متعلقا في باب الدين فأخبر تقله . وقال أيضا : رأيت نفسي تأنس بخلطاء تسميهم أصدقاء فبحثت التجارب فإذا أكثرهم حساد على النعم وأعداء لا يسترون زلة ، ولا يعرفون لجليس حقا ، ولا يواسون من مالهم صديقا فتأملت الأمر فإذا أكثرهم حساد على النعم ، فإذا الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل به شيئا يأنس به فهو يكدر الدنيا وأهلها ليكون أنسه به ، فينبغي أن تعد الخلق كلهم معارف ولا تظهر سرك لمخلوق منهم ، ولا تعدن فيهم من لا يصلح لشدة بل عاملهم بالظاهر ولا تخالطهم إلا حالة الضرورة وبالتوقي لحظة ، ثم انفر عنهم وأقبل على شأنك متوكلا على خالقك ، فإنه لا يجلب الخير سواه ولا يصرف السوء إلا إياه - في كلام كثير .