محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

37

الآداب الشرعية والمنح المرعية

للهواء ويأتي عليه ليلة . وأردأه ماء مجاريه من رصاص أو بئر معطلة خاصة إن كانت تربتها رديئة . وأما ماء البحر فعن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال في ماء البحر " 1 " : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " رواه أحمد وأهل السنن وصححه البخاري والترمذي وغيرهما . قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [ سورة الفرقان : الآية 53 ] يقال : ماء ملح . واستعمله الشافعي رضي اللّه عنه وقيل : هو لغة والأجاج صفة الملح ، قال الزجاج : وهو المر الشديد المرارة . قال ابن قتيبة : هو أشد الماء ملوحة ، وقيل : هو الذي يخالطه مرارة وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً [ سورة الفرقان : الآية 53 ] أي حاجزا وهو مانع من قدرة اللّه عند أكثر المفسرين فهما في قدرة اللّه منفصلان لا يختلطان وقد يكونان في مرأى العين مختلطين ، وقيل : الحاجز الأرض واليبس قاله الحسن : وَحِجْراً مَحْجُوراً [ سورة الفرقان : الآية 53 ] . أي حراما محرما أن يغلب أحدهما صاحبه . وإنما جعل سبحانه ماء البحر كذلك لكثرة ما فيه من الحيوان ويموت فيه كثيرا ولو كان حلوا لأنتن من ذلك وكان الهواء يكتسب منه ذلك فيفسد العالم فاقتضت حكمة اللّه سبحانه أن جعله كذلك ولا يغيره شيء أبدا ، ولأن أرضه سخنة مالحة وهو حار يابس ينفع من الشقوق العارضة عن برد إذا اغتسلت به ويقتل القمل ويحلل الدم المنعقد تحت الجلد وينفع من الجرب والحكة والقوابي والفالج والخدر وأورام الثدي ويحتقن به للمغص ويسقى فيسهل ثم يشرب بعده مرق الدجاج فيكسر لذعه ، والجلوس فيه ينفع من لسع الأفعى وسائر الهوام القتالة وشربه يؤذي فإنه يعطش ويهزل ويحدث حكة وجربا ونفخا ، وقد يتدارك ضرره باللبن والأشياء الدسمة . وقد يدبر الماء المالح فيعذب بأن يوضع في إناء كالقدح من شمع فإنه يرشح إليه من خارجه ماء عذب أو يجعل في قدر ويجعل فوق القدر قضبان عليها صوف منفوش ويوقد تحت القدر حتى يرتفع بخارها إلى الصوف فإذا كثر عصره لا يزال يفعل ذلك حتى يجتمع له ما يريد فيحصل له من البخار في الصوف ماء عذب أو يحفر إلى جانبه حفرة يرشح ماؤه إليها ثم أخرى إلى جانبها ترشح هي إليها ثم ثالثة إلى أن يعذب ويخلط بطين جيد أو يخلط بسويق في جرار

--> ( 1 ) صحيح رواه الترمذي ( 69 ) وأبو داود ( 83 ) والنسائي ( 1 / 50 ، 176 ) وأحمد ( 2 / 237 ، 361 ) وابن ماجة ( 386 ، 387 ) وصححه الشيخ الألباني وانظر الصحيحة ( 480 ) .