محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
321
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وقال أبو العتاهية : يا رب إن الناس لا ينصفونني * وإن أنا لم أنصفهم ظلموني وإن كان لي شيء تصدوا لأخذه * وإن جئت أبغي شيئهم منعوني وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم * وإن أنا لم أبذل لهم شتموني وإن طرقتني نكبة فكهوا بها * وإن صحبتني نعمة حسدوني سأمنع قلبي أن يحن إليهم * وأحجب عنهم ناظري وجفوني وقال آخر : قد كنت عبدا والهوى مالكي * فصرت حرا والهوى خادمي وصرت بالوحدة مستأنسا * من شر أولاد بني آدم ما في اختلاطي بهم خير ولا * ذو الجهل بالأشياء كالعالم يا عاذلي في تركهم جاهلا * عذري منقوشا على خاتمي وكان على خاتمه منقوش : وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ [ سورة الأعراف : الآية 102 ] . وذكر ابن عبد البر وأنشد الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي راوي البخاري يتوشح لنفسه : كان في الاجتماع للناس نور * فمضى النور وأدلهم الظلام فسد الناس والزمان جميعا * فعلى الناس والزمان السّلام وقال ابن عقيل في الفنون بعد أن ذكر قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [ سورة الأنعام : الآية 38 ] . قال : وكان ذلك ممتنعا من جهة الحلقة والصورة ، وعدما من جهة المنطق والمعرفة ، فوجب أن يكون منصرفا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق ، وإذا كان كذلك فاعلم أنك إنما تعاشر البهائم فخذ حذرك . قال : ولذلك رأى الحكماء أن السلامة من آفات السباع الضارية أمكن من السلامة من شر الناس انتهى كلامه ، وقد قيل : لقاء الناس ليس يفيد شيئا * سوى الهذيان من قيل وقال فاقلل من لقاء الناس إلا * لكسب معيشة وصلاح حال وقيل أيضا : واللّه لو كانت الدنيا بأجمعها * تبقى علينا ويأتي رزقها رغدا ما كان من حق حر أن يذل لها * فكيف وهي متاع يستحيل غدا