محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
322
الآداب الشرعية والمنح المرعية
فصل في العناية بحفظ الزمان واتقاء إضاعته فيما لا فائدة فيه من الزيارات وغيرها قال ابن الجوزي رحمه اللّه : رأيت العادات قد غلبت على الناس في تضييع الزمان ، فهم يتزاورون فلا ينفكون عن كلام لا ينفع وغيبة ، وأقله ضياع الزمان ، وقد كان القدماء يحذرون من ذلك ، قال الفضيل : أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة " ودخلوا على رجل من السلف فقالوا : لعلنا شغلناك فقال أصدقكم كنت أقرأ فتركت القراءة لأجلكم ، وجاء عابد إلى سري السقطي فرأى عنده جماعة فقال : صرت مناخ البطالين ، ثم مضى ولم يجلس ، ومتى لأن المزور طمع فيه الزائر فأطال الجلوس فلم يسلم من أذى ، وقد كان جماعة قد قعدوا عند معروف وأطالوا فقال : إن ملك الشمس لا يفتر عن سوقها فمتى تريدون القيام ؟ وممن كان يحفظ اللحظات عامر بن عبد اللّه القيسي قال له رجل : أكلمك فقال : أمسك الشمس ، وكان داود الطائي يستف الفتيت ويقول : بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية ، وأوصى بعض السلف أصحابه فقال : إذا خرجتم من عندي فتفرقوا لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه ، ومتى اجتمعتم تحدثتم . واعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة فكم يضيع الآدمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل ، وهذه الأيام مثل المزرعة وكأنه قد قيل : للإنسان كلمات بذرت حبة أخرجنا لك ألفا ، هل ترى يجوز للعاقل أن يتوقف عن البذر أو يتوانى ؟ والذي يعين على اغتنام الزمان الانفراد والعزلة مهما أمكن والاختصار على السّلام أو حاجة مهمة لمن يلقى ، وقلة الأكل فإن كثرته سبب النوم الطويل وضياع الليل ، ومن نظر في سير السلف وآمن بالجزاء بأنه له ما ذكرته . فصل التفقه بالتوسع في المعارف قبل طلب السيادة والمناصب عن عمر رضي اللّه عنه قال : تفقهوا قبل أن تسودوا ، قال الخطابي يريد من لم يخدم العلم في صغره استحى أن يخدمه بعد كبر السن وإدراك السؤدد ، قال : وبلغني عن سفيان الثوري قال : من ترأس في حداثته كان أدنى عقوبته أن يفوته حظ كبير من العلم . وعن أبي حنيفة رضي اللّه عنه قال : من طلب الرياسة بالعلم قبل أوانه لم يزل في ذل ما