محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

222

الآداب الشرعية والمنح المرعية

فقال سل حاجتك فقال : علي من الدين خمسون ألفا ، فقال : قد أمرت لك بها وشفعتها بمثلها ، فأمر له بمائة ألف وهذا العطاء وشبهه من الملوك إن كان على وجه الشرع وإلا فصاحبه ممدوح عرفا ، وقد قال أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي رحمه اللّه تعالى : من الأغلاط والأوهام القبيحة المدح بما يوجب الذم فإنهم إذا سمعوا عن السلاطين والولاة بالعطاء المسرف من أموال المسلمين مدحوهم بالكرم ، ثم ذكر أن هشام بن عبد الملك أعطى حمادا الرواية لإنشاد بيت جاريتين وعشر بدر ، وقال : لو كان ما أعطاه من مال نفسه كان تبذيرا وتفريطا فكيف وليس من ماله ؟ فالعجب ممن يروي هذا عن الملوك فيخرجه مخرج المدح والكرم وهو معدود في التبذير والإسراف ، وقد قال تعالى : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ سورة البقرة : الآية 265 ] . أي ينظرون أين يضعون الأموال وأين الفقراء عنها وإذا تأملت الحال وجدت الأموال أخذت على غير وجهها وصرفت في غير حقها ، وخرجت عن نيات فاسدة انتهى كلامه وسبق في الفصل قبله كلام شعيب بن حرب . وقال أعرابي : عجبا للبخيل المتعجل للفقر الذي منه هرب ، والمؤخر للسعة التي إياها طلب ، ولعله يموت بين هربه وطلبه ، فيكون عيشه في الدنيا عيش الفقراء ، وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء ، مع أنك لم تر بخيلا إلا غيره أسعد بماله منه ، لأنه في الدنيا مهتم بجمعه وفي الآخرة آثم بمنعه وغيره آمن في الدنيا من همه ، وناج في الآخرة من إثمه . ومن منثور كلام ابن المعتز : بشر مال البخيل بحادث أو وارث . ومن منظومه : يا مال كل جامع وحارث * أبشر بريب حادث أو وارث وقال غيره : كدودة القز ما تبنيه يهدمها * وغيرها بالذي تبنيه ينتفع وأين هذا من كلام أحيحة بن الجلاح في أبياته التي يحث فيها على جمع المال ولا يضيعه يوما على حال ، منها : إني مقيم على الزوراء أعمرها * إن الكريم على الأقوام ذو المال كل النداء إذا ناديت يخذلني * إلا ندائي إذا ناديت يا مالي وقال الشاعر : وإني لأجتاز القرى طاوي الحشا * محاذرة من أن يقال لئيم الرواية بضم لام . يقال ومدح الكرم وذم البخل كثير في الكلام وفي هذا كفاية إن شاء اللّه قال ابن الجوزي : ويحك ما تصنع بإدخار مال لا يؤثر حسنة في صحيفة ، ولا مكرمة في