محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

128

الآداب الشرعية والمنح المرعية

يبلغني كفارة أي قبل الحنث ، أما وجوبها فلا خلاف فيه ، كذا في شرح مسلم ، والمسألة مذكورة في الإيمان من الفقه . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إني مجهود فأرسل إلى نسائه قلن كلهن : لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ؟ قال : " من يضيفه هذه الليلة رحمه اللّه " ؟ فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول اللّه . فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته هل عندك شيء ؟ قالت : لا إلا قوت صبياننا ، قال : فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه قال : فقعدوا فأكل الضيف فلما أصبح غدا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : " قد عجب اللّه من صنيعكما بضيفكما الليلة " " 1 " متفق عليهما . وفيهما وقربى للضيف ما عندك قال : فنزلت الآية . وفي البخاري : ضيف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا ندخر به شيئا ، وفيه إذا أراد الضيف العشاء فنوميهم . فيه أن من سئل شيئا فقام به إن أمكنه وإلا سأل له لكن ليس في الخبر سؤال معين ، وفيه ما كان عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الزهد في الدنيا والتقلل منها ، وفيه الاحتيال والتلطف بإكرام الضيف على أحسن الوجوه ، والخبر محمول على أنه لم يكن بالأنصاري وأولاده حاجة إلى الأكل بحيث يحصل الضرر بتركه وإلا لوجب تقديمهم شرعا على حق الضيف وفيه الإيثار ممن لم يتضرر بأمور الدنيا . قال في شرح مسلم أجمع العلماء على فضيلته وقد يكون ذلك سببا لحصول الكفاية مع حيازة الفضيلة . ولهذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه : " طعام الاثنين كاف الثلاثة " " 2 " و " طعام الثلاثة كاف الأربعة " ولمسلم من حديث جابر : " طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية " " 3 " . وفي البخاري من حديث أبي جحيفة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم آخى بين سلمان وأبي الدرداء وأن سلمان زاره فصنع أبو الدرداء له طعاما وقال له : كل فإني صائم ، فقال سلمان : ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل " 4 " . قال ابن هبيرة وليس هذا من آداب الضيف ولكنه قصد أن يرد عليه ما كان عليه من الإفراط في كثرة العبادة والإعراض عن النساء وغير ذلك قال : وفيه استحباب زيارة الأخ أخاه فإن رآه على خير أعانه ، وإن رآه محتاجا إلى تقويم قومه ، قال : وفيه جواز أن يؤاخي بين المؤمنين مع أن المؤمنين إخوة إلا أن هذا الإخاء لمعنى وهو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نظر بنور الإيمان إلى خشونة أبي الدرداء يصلح أن يضاف إليها علم سلمان وفقهه واللّه أعلم .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3798 ) ومسلم ( الأشربة / 2054 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 5392 ) ومسلم ( الأشربة / 2058 ) . ( 3 ) رواه مسلم ( الأشربة / 2059 ) . ( 4 ) رواه البخاري ( 1968 ) .