محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
129
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وقال في الغنية : وإن كان على رأسه إنسان قائم أمره بالجلوس فإن أبى عليه أو قام مملوكه أو غلامه لقضاء حاجته وسقيه الماء أخذ من أطايب الطعام فلقمه ، وإذا أكل مع ضرير أعلمه بما بين يديه فربما فاته أطايب الطعام لعماه . وذكر الشيخ في المغني في مسألة غير المأذون له هل له الصدقة من قوته إذا لم يضر به : إن الضيف لا يملك الصدقة بما أذن له في أكله ، وقال : إن حلف لا يهبه فأضافه لم يحنث لأنه لم يملكه شيئا وإنما أباحه الأكل ، ولهذا لا يملك التصرف فيه بغير إذنه وذلك لأن الأصل عدم جواز التصرف في مال الغير بغير إذنه ، خولف في أكله منه لإذنه فيه يبقى ما سواه على الأصل ، ولا يلزم من الإذن في الأدنى الإذن في الأعلى وحق الآدمي مبني على الشح والضيق . ومقتضى هذا التعليل التحريم . وقال الشيخ عبد القادر إنه يكره أن يلقم من حضر معه قال : لأنه يأكل ملك صاحبه على وجه الإباحة وليس ذلك بتمليك ، ووجهت رواية الجواز في مسألة غير المأذون بأنه مما جرت العادة بالمسامحة فيه والإذن عرفا فجاز كصدقة المرأة من بيت زوجها ، وهذا التعليل جار في مسألة الضيف فيتوجه القول به فيها حيث جرى واللّه أعلم . وتلخيص ما تقدم أن الضيف لا يملك ما لم تجر العادة بفعله والمسامحة فيه وما جرت به العادة ولم تخالفه قرينة كتلقيم بعض بعضا وتقديم طعام وإطعام سنور وكلب ونحو ذلك فإن علم رضا صاحبه بذلك جاز وإلا فوجهان والأولى جوازه . وقد قال البخاري ( باب من ناول أو قدم إلى صاحبه على المائدة شيئا ) قال ابن المبارك لا بأس أن يناول بعضهم بعضا ولا يناول من هذه المائدة إلى مائدة أخرى . ثم روى من حديث أنس أن خياطا دعا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لطعام صنعه فذهب أنس معه فقرب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خبزا من شعير ومرقا فيه دباء وقديد قال أنس : فرأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتتبع الدباء من حوالي الصفحة - فلم أزل أحب الدباء من يومئذ - فجعلت أجمع الدباء بين يديه " 1 " ، وذكر هذه القصة قبل ذلك وفيها : قال : فأقبل الغلام على عمله وترجم عليه ( باب من أضاف رجلا إلى طعام وأقبل على عمله ) وما ذكره حسن إذا لم يخالف عادة أو قرينة مؤذية للضيف وتمنع إكرامه وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه " " 2 " متفق عليه . ولمن منع المسألة الأولى أن يحمل خبر أنس على أنه علم أن رب الطعام راض بذلك واللّه أعلم . قال ابن عقيل في الفنون سأل سائل حنبليا فقال : هل يجوز للقوم يقدم لهم الطعام
--> ( 1 ) تقدم تخريجه في بابه . ( 2 ) رواه البخاري ( 6019 ) ومسلم ( الإيمان / 48 ) .