محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

123

الآداب الشرعية والمنح المرعية

مستعجلا لشغل آخر . وسبق في الفصل الأول أنه عليه السّلام جثا . قال إسحاق بن منصور قلت لأبي عبد اللّه تكره الأكل متكئا ؟ قال : أليس قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " لا آكل متكئا ؟ " " 1 " قال في المستوعب : لا يأكل متكئا فقد نهي عنه ، وقال في موضع إن من آداب الأكل أن لا يأكل متكئا ولا منبطحا ولا يأكل إلا مطمئنا . وعن ابن عمر رضي اللّه عنه نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن مطعمين عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر وأن يأكل وهو منبطح على بطنه " 2 " وقال : لم يسمعه جعفر بن برقان من الزهري وهو منكر ثم رواه من طريق آخر أنه بلغه عن الزهري ، وذكر مشايخ الحنفية أنه لا بأس بالأكل متكئا لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أكل يوم خيبر متكئا كذا قالوا ، ولا يلقم جليسه ولا يفسح له إلا بإذن رب الطعام ، ذكره في الرعاية الكبرى . وقال بعض أصحابنا : من الأدب أن لا يلقم أحدا يأكل معه إلا بإذن مالك الطعام ، وهذا يدل على جواز ذلك عملا بالعادة والعرف في ذلك لكن الأدب والأولى الكف عن ذلك لما فيه من إساءة الأدب على صاحبه والإقدام على طعامه ببعض التصرف من غير إذن صريح ، وفي معنى ذلك تقديم بعض الضيفان ما لديه ونقله إلى البعض الآخر لكن لا ينبغي لفاعل ذلك أن يسقط حق جليسه من ذلك والقرينة تقوم مقام الإذن في ذلك . قال أنس دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجل فانطلقت معه فجيء بمرق فيها دباء فجعل يأكل من ذلك الدباء ويعجبه فلما رأيت ذلك جعلت ألقيه ولا أطعمه ، قال أنس : فما زلت أحب الدباء " 3 " . رواه مسلم والبخاري ولم يقل ولا أطعمه . وفيه أن خادم الكبير يتبعه في الدعوة كما هو في العرف وإن لم ينص عليه بخلاف غيره من زوجة وغيرها ، ولأنه قد يتوقف حضور الكبير عليه لتعلق مصلحته وحاجته به ، والداعي يرضى بذلك ويأذن فيه عادة وعرفا لا بغيره فاختص بالجواز لذلك ، وقد يقال : كأنه مدعو لهذا المعنى وهذا متوجه واضح كما ترى ولم أجد من ذكره . فإن قيل : من المعلوم أن الداعي يأذن في ذلك لمكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قيل يأذن لما ذكرنا وهو أمر مشترك لا لمعنى خاص ولهذا استأذن عليه السّلام في غير خادمه ولم يستأذن في خادمه قط مع أنه خدمه مدة إقامته عليه السّلام بالمدينة لا زمنا يسيرا وكان عليه السّلام لا يمتنع من دعوة بلا عذر وخادمه ملازمه غالبا أو كثيرا واللّه أعلم . وعن أبي مسعود الأنصاري قال : كان رجل من الأنصار يقال له أبو شعيب وكان له غلام

--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم وقد تقدم . ( 2 ) منكر رواه أبو داود ( 3774 ) والحاكم ( 4 / 129 ) والبيهقي ( 7 / 266 ) وابن ماجة ( 3370 ) وقال أبو داود : هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزهري وهو منكر وانظر الإرواء ( 1982 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 5436 ) ومسلم ( الأشربة / 2041 ) .