محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

99

الآداب الشرعية والمنح المرعية

والله أعلم - أن أبا القاسم لا يبادر بالرد ولعله يكتفي بغيره ، ولهذا قال : ولو قرىء بين يديه الكفر ، ومعلوم أن مثل هذا لا يحل عدم بيانه والسكوت عنه ، قال ابن طاهر سمعت الفقيه أبا محمد هياج بن عبيد إمام الحرم ومفتيه يقول : يوم لا أرى فيه سعد بن علي الزنجاني لا أعتد إني عملت خيرا ، قال ابن طاهر وكان هياج يعتمر كل يوم ثلاث عمر ، ويواصل الصوم ثلاثة أيام ، ويدرس عدة دروس ومع هذا كله كان يعتقد أن نظره إلى الشيخ سعد والجلوس بين يديه أجل من سائر عمله ، قال ابن طاهر سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد الكرخي يقول : لما عزم الشيخ سعد على الإقامة بالحرم والمجاورة به عزم على نفسه نيفا وعشرين عزيمة أنه يلزم نفسه من المجاهدات والعبادات ومات بعد ذلك بأربعين سنة ولم يخل منها عزيمة واحدة رحمه الله . فصل في مكانة حفاظ الحديث وإقبال الألوف على مجالسهم وحسد الخلفاء لهم قال جعفر بن درستويه كنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني وقت العصر اليوم لمجلس غد فنقعد طول الليل مخافة أن لا نلحق من الغد موضعا نسمع فيه فرأيت شيخا في المجلس يبول في طيلسانه ويدرج الطيلسان مخافة أن يؤخذ مكانه إن قام للبول ، وذكر غير واحد أنه كان في مجلس يزيد ابن هارون بحزر بسبعين ألفا وأمر المعتصم بحزر مجلس عاصم بن علي فحزروا المجلس عشرين ألفا ومائة ألف ، وأملى البخاري ببغداد فاجتمع له عشرون ألفا . وقال أبو الفضل الزهري : كان في مجلس جعفر الفريابي من أصحاب الحديث من يكتب حدود عشرة آلاف ما بقي منهم غيري سوى من لا يكتب ، وأملى أبو مسلم اللجي في رحبة غسان فكان في مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد منهم صاحبه الذي يليه ، وكتب الناس عنه قياما بأيديهم المحابر ، ثم مسحت الرحبة وحسب من حضر بمحبرة فبلغ ذلك نيفا وأربعين ألف محبرة سوى العطارة . قال ابن الجوزي : قد كانت الهمم في طلب العلم كما قد ذكرنا ثم ما زالت تقل الرغبات حتى اضمحلت فحكى شيخنا أبو حفص عمر بن طفر المغازلي قال : كنا في حلقة ابن يوسف نسمع الحديث فطلبنا محبرة نكتب بها السماع فما وجدنا ، قال : وقد كان الخلفاء والكبراء يغبطون المحدثين على هذه المرتبة ، ثم روى بإسناده عن محمد بن سلام الجمحي أنه قال : قيل للمنصور هل من لذات الدنيا شيء لم تنله ؟ قال : بقيت خصلة أن أقعد في مصطبة وحولي