محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
5
الآداب الشرعية والمنح المرعية
فصل في الأدب " 1 " والتواضع " 2 " ومكارم الأخلاق ، وحظ الإمام أحمد منها روى الخلال أن أحمد جاء إلى وكيع وعنده جماعة من الكوفيين فجلس بين يديه من أدبه وتواضعه . فقيل يا أبا عبد الله إن الشيخ ليكرمك فما لك لا تتكلم ؟ فقال : وإن كان يكرمني فينبغي لي أن أجله ، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : ما استأذنت قط على محدث كنت أنتظر ، حتى يخرج إلي ، وتأولت قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [ سورة الحجرات : الآية 5 ] . وقال المروذي : كان أبو عبد الله لا يجهل وإن جهل عليه احتمل وحلم ويقول : يكفيني الله ، ولم يكن بالحقود ولا العجول ، ولقد وقع بين عمه وجيرانه منازعة فكانوا يجيئون إلى أبي عبد الله فلا يظهر لهم ميله إلى عمه ولا يغضب لعمه ويلقاهم بما يعرفونه من الكرامة ، وكان أبو عبد الله كثير التواضع يحب الفقراء ، لم أر الفقير في مجلس أحد أعز منه في مجلسه ، مائل إليهم مقصر عن أهل الدنيا ، تعلوه السكينة والوقار ، إذا جلس في مجلسه بعد العصر لم يتكلم حتى يسأل ، وإذا خرج إلى مجلسه لم يتصدر ، يقعد حيث انتهى به المجلس ، وكان لا يقطن الأماكن ويكره إيطانها ، وكان إذا انتهى إلى مجلس قوم جلس حيث انتهى به المجلس ، وصحبته في السفر والحضر . وكان حسن الخلق دائم البشر لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ . وكان يحب في الله ويبغض في الله ، وكان إذا أحب رجلا أحب له ما يحب لنفسه وكره له ما يكره لنفسه ، ولم يمنعه حبه له أن يأخذ على يديه ويكفه عن ظلم أو إثم أو مكروه إن كان منه ، وكان إذا بلغه عن رجل صلاح أو زهد أو اتباع الأثر سأل عنه وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة . وكان رجلا وطيئا إذا كان حديث لا يرضاه اضطرب لذلك وتبين التغيير في وجهه غضبا لله ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها فإذا كان في أمر من الدين اشتد غضبه له ، وكان أبو
--> ( 1 ) قال ابن المبارك : طلبنا الأدب حين فاتنا المؤدبون . ( الحلية 8 / 169 ) وقال : من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض ، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة . ا ه . والأدب ثلاثة أنواع : أدب مع الله سبحانه ، وأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم وشرعه ، وأدب مع خلقه . مدارج السالكين ( 2 / 381 ، 376 ) . ( 2 ) في الرسالة القشيرية : التواضع هو الاستسلام للحق وترك الاعتراض في الحكم . قال الشيخ زكريا : وهو أعم من الخشوع لأنه يستعمل فيما بين العباد وفيما بينهم وبين الرب سبحانه ، والخشوع لا يستعمل إلا في الثاني فلا يقال خشع العبد لمثله ، ويقال تواضع له ا ه . وفي فتح الباري : من الضعة بكسر أوله وهي الذلة والهوان ، والمراد بالتواضع إظهار الذل لمن يراد تعطيمه ، وقيل هو تعظيم من فوقه لفضله . دليل الفالحين ( 3 / 50 ) فتح الباري ( 11 / 349 ) .