محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

21

الآداب الشرعية والمنح المرعية

منهن في الصحيحين في قوله عليه السلام : " تعوذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء ، وسوء القضاء ، وشماتة الأعداء " وقد قيل : لمحبرة تجالسني نهاري * أحب إلي من أنس الصديق ورزمة كاغد في البيت عندي * أعز إلي من عدل الدقيق ولطمة عالم في الخد مني * ألذ علي من شرب الرحيق وقال الشافعي : غضب الأعمش يوما على رجل من الطلبة فقال آخر : لو غضب علي مثلك لم أعد إليه فقال له الأعمش : إذا هو أحمق مثلك يترك ما ينفعه لسوء خلقي . ذكره البيهقي . فصل في الوحدة والعزلة " 1 " والتواضع في سيرة أحمد قال عبد الله : كان أبي أصبر الناس على الوحدة ، وقال لم ير أحد أبي إلا في مسجد أو

--> ( 1 ) اختلف السلف في أصل العزلة ، فقال الجمهور : الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك . وقال قوم : العزلة أولى لتحقق السلامة بشرط معرفة ما يتعين . وقال النووي : المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصيته ، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى . وقال غيره : يختلف باختلاف الأشخاص ، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين ومنهم من يترجح ، وليس الكلام فيه ، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال ، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات . . . وقال الخطابي : المطلوب إنما هو ترك فضول الصحبة لما في ذلك من شغل البال وتضييع الوقت عن المهمات ، ويجعل الاجتماع بمنزلة الاحتياج إلى الغداء والعشاء فيقتصر منه على ما لا بد منه فهو أروح للبدن والقلب ، والله أعلم . وقال القشيري في الرسالة : طريق من آثر العزلة أن يعتقد سلامة الناس من شره لا العكس ، فإن الأول ينتجه استصغاره نفسه وهي صفة المتواضع ، والثاني شهوده مزية له على غيره وهذه صفة المتكبر . وقال الغزالي : ميل أكثر العباد والزهاد إلى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة . ثم ذكر ست فوائد للعزلة : ( أ ) التفرغ للعبادة والفكر والاستئناس بالمناجاة . ( ب ) التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض الإنسان لها غالبا بالمخالطة ويسلم منها في الخلوة . ( ج ) الخلاص من الفتن والخصومات وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها والتعرض لأخطارها . ( د ) الخلاص من شر الناس . ( ه ) انقطاع طمع الناس عنك وانقطاع طمعك عنهم . والخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى ومقاساة حمقهم وأخلاقهم . وانظر فتح الباري ( 11 / 340 ) و ( 13 / 46 ) ، والعزلة للخطابي ( مطبوع ) ، والإحياء ( 2 / 222 ، 228 ) ، ودليل الفالحين ( 3 ، 40 ) .