محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
32
الآداب الشرعية والمنح المرعية
لعاقل ، وكان أخوها عاقلا لم يحنث وإن لم يكن عاقلا حنث كما لو قال : واللّه إن أخاك لعاقل ، وإن شك في عقله لم تطلق لأن الأصل بقاء النكاح فلا يزال بالشك ، وإن قال : أنت طالق ما أكلت هذا الرغيف لم يحنث إن كان صادقا ويحنث إن كان كاذبا كما لو قال : واللّه ما أكلته وقال في المغني فيما إذا صالح أجنبي عن المنكر أنه يصير بمنزلة المدعي في جواز الدعوى على المنكر قال : ويشترط في جواز الدعوى أن يعلم صدق المدعي فإن لم يعلم لم يحل له دعوى شيء لا يعلم بثبوته فمراده بالعلم الظن ليتفق كلامه أو يكون في المسألة عنده قولان ذكر في كل مكان قولا بحسب ما رآه من كلام الأصحاب أو ما أداه اجتهاده في ذلك الوقت . ومن المعلوم أن الوكيل يقوم مقام الموكل لأنه نائبه وفرعه فلا يجوز له دعوى لا تجوز لأصله فلا يدعي إلا ما يعلمه أو يظنه حقا كما سبق ، وكذا قال القاضي في قوله تعالى : وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً [ سورة النساء : الآية 105 ] . يدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم لغيره في إثبات حق أو نفيه وهو عالم بحقيقة أمره ، وذكر ابن الجوزي هذا ولم يخالفه فدل على موافقته . وقال ابن عقيل في الفنون : لا تصح وكالة من علم ظلم موكله في الخصومة فظاهره يصح إذا لم يعلم ، والظاهر أن مراده بالعلم أيضا الظن وإلا فبعيد جدا القول به مع ظن ظلمه . فإن قيل : ظن التحريم لا يمنع صحة المقعد بخلاف العلم به ولا يلزم من هذا أن يخاصم في باطل فلا معارضة بينه وبين ما سبق ، قيل : ليس المراد من التوكيل وصحته إلا المخاصمة فيما وكله فيه مما يعلمه أو يظنه باطلا وإلا فكان يمكن تصحيح العقد مع العلم ولا يخاصم في باطل فلا مفسدة في ذلك ، وقد دل كلامه على أنه لو شك في ظلمه صحت وخاصم فيه ، وعلى هذا عمل كثير من الناس أو أكثرهم يتوكلون ويدعون مع الشك في صحة الدعوى وعدمها لأنه ليس بمخبر عن نفسه وإنما يخبر عن الموكل ويبلغ كلامه لكونه لا يلحن بحجته ، ولأن الحاجة قد تمس إلى ذلك لكثرة مشقته ، وهذا بخلاف المدعي لنفسه لخبرته بأحواله وقضاياه واللّه أعلم . وقد قال أبو داود : ( باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها ) حدثنا أحمد بن يونس ثنا زهير حدثنا عمارة بن غزية عن يحيى بن راشد قال : جلسنا لعبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما فخرج إلينا فقال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : " من حالت شفاعته دون حد من حدود اللّه عز وجل فقد حاد اللّه . ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط اللّه حتى ينزع ، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه اللّه ردغة الخبال حتى يخرج مما قال " " 1 " ، حدثنا علي بن الحسين بن إبراهيم حدثنا عمرو بن يونس ثنا إبراهيم ثنا عاصم بن
--> ( 1 ) إسناده صحيح أبو داود ( 3597 ) وصححه الحاكم ( 2 / 27 ) وكذا الألباني في الصحيحة ( 438 ) .