محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
300
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وقال الخلال : " ما يكره إذا دخل الرجل إلى منزل رجل أن يقعد إلا في موضع يقعده ) قال ابن منصور لأبي عبد اللّه قوله : " لا يؤمن الرجل في أهله ، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه " " 1 " ؟ قال : أرجو أن يكون الاستثناء على كله ، وأما التكرمة فلا بأس إذا أذن له . وحاصل ذلك وتحقيقه أنه إن أمره صاحب المنزل بالجلوس في مكان منه لم يجز أن يتعداه لأنه ملكه وسلطانه وتكرمته ولهذا لو لم يأذن في الدخول لم يجز ، ولو أمره بالخروج لم يجز له المقام فيه ، وهذا واضح . وإن لم يأمره بالجلوس في مكان منه فهل يجلس ؟ وأين يجلس ؟ ينبغي أن ينظر إلى عرف صاحب المنزل وعادته في ذلك فلا يجوز أن يتعداه لأنه خاص فيتقيد المطلق كالكلام فإن خالف صاحب المنزل عادته معه بأن أمره أو أذن له في شيء وافقه إن ظن ذلك منه ظاهرا وباطنا ، وكذا إن شك حملا لحال المكلف على الصحة والسلامة . وإن ظن أنه فعل معه ذلك ظاهرا لا باطنا لمعنى من المعاني لم يجبه لأن المقاصد معتبرة فلم يأذن ، ثم يجلس فيما يظن إذنه فيه ظاهرا وباطنا ويعمل في ذلك بالقرائن والأمارات وظواهر الحال ، فإن لم يكن له عرف وعادة في ذلك فالعرف والعادة في ذلك الجلوس بلا إذن خاص فيه لحصوله بالإذن في الدخول ثم إن شاء جلس أدنى المجلس من محل الجلوس لتحقق جوازه مع سلوك الأدب ، ولعل هذا أولى ، ولعل هذا مراد صاحب القول الذي ذكره في الرعاية ، والمراد ما لم يعد جلوسه هناك مستهجنا عادة وعرفا بالنسبة إلى مرتبته ، أو يحصل لصاحب المنزل بذلك خجل واستحياء ، فإنه يعجبه خلاف ذلك ، وربما ظن شيئا لا يليق ونحو ذلك ، وإن شاء عمل بالظن في جلوسه فيما يأذن فيه صاحب المنزل وهو أقرب إلى عوائد الناس وأبعد من التهمة وأقل للكلام في ذلك واللّه أعلم . وسيأتي ما يشبه هذا بعد آداب الصباح والمساء والنوم في فصل المشي مع غيره . ويعمل بعلامة كرفع ستر أو إرخاءه في الإذن وعدمه لقوله عليه السّلام لابن مسعود رضي اللّه عنه : " إذنك علي أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك " " 2 " قال في شرح مسلم السواد بكسر السين وبالدال أي السرار وهو السر والمسارة يقال ساودت الرجل مساودة إذا ساررته وهو مأخوذ من سواده عند المساررة أي شخصك من شخصه والسواد اسم لكل شخص انتهى كلامه . والمراد بذلك أنه يعمل بذلك إذا علم أن صاحب المنزل قد علم به وكذلك إن ظن أنه علم به والأولى الثاني احتياطا ، وإن لم يظن تأكد التثبت والتأني وينبغي لصاحب المنزل أن لا يأذن بالعلامة من غير أن يتحقق المستأذن فقد يكون المستأذن غير من ظنه فيترتب على ذلك ما لا يليق ويحصل به شر ومحذور ومن أذن له في الدخول فإن شاء دخل في الحال ، ويتثبت إن اقتضى الحال توقفه .
--> ( 1 ) رواه مسلم ( المساجد / 673 ) وأحمد ( 4 / 121 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( السّلام / 16 ) .