محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
270
الآداب الشرعية والمنح المرعية
ولآخر إن من صغر الهمة ، الحسد للصديق على النعمة . كتب آخر كفاك من القطيعة لي سوء ظنك بي . وكتب آخر قد سبق جميل وعدك إياي ما أنت أهله وتأخر الأمر تأخرا دلني على زهدك في الصنيعة عندي ، ولولا أن النفس اللجوج تطالبني ببلوغ آخر الأمر ، لتنصرف على الطمع بواضح العذر ، لكان فيما عاينت من التقصير أدل دليل على ضعف العناية ، ولقد حمدت اللّه إذا لم أخبر بمسألتي وضمانك أحدا ، فأكون في وقتي هذا إما كاذبا فيما حكيته ، وإما شاكيا ، بعد أن عرفت لك شاكرا ، ولست أنتقل من شكر إلى ذم ، ولا أرغب من علي إلى خلق دني ، فيسر حسود ، ويساء ودود ، ولكني أركب طريقا بين شكرك على ما يسره المقدار على يدك ، وبين عذرك ، على ما عسره عليك ، غير مخلف ولا مجحف - ولغيره فإن اللّه بحمده نزه الإسلام عن كل قبيحة ، وأكرمه عن كل رذيلة ورفعه عن كل دنيئة ، وشرفه بكل فضيلة ، وجعل سيما أهله الوقار والسكينة . وكتب آخر قد أغنى اللّه عز وجل بكرمك عن ذريعة إليك ، وما تنازعني نفسي إلى استعانة عليك ، إلا أبى ذلك حسن الظن بك ، وتأميل نحج للرغبة إليك دون الشفعاء عندك - ولغيره حتى إذا نزل الجمعان تبرأ الشيطان من حزبه ، وأزهق اللّه باطلهم بحقه ، وجعل الفتح والظفر لأولى الحزبين به ، وبذلك جرت سنة اللّه عز وجل في الماضين من خلقه ، وبذلك وعد من تمسك بأمره وطاعته - ولغيره أما بعد فإن أولى نعمة تشكر ، سلامة شملت ، عز فيها الحق فوقع مواقعه ، وذل الباطل فقمع أشياعه ، وتقلب في سربها وأمنها خاصة وعامة ، وانبسط في تأميل فضلها وعاقدتها رغبة حاضرة وقاصية . وكتب آخر : كتبت وأنا ذو صبابة توهي قوي الصبر إلى لقائك واستراحة ليس إلا إلى طيب إخبارك منتهاها ، وكتب آخر كتبت عن سلامة ووحشة لفراقك ، وبعد البلد الذي يجمع السادة والإخوان ، والأهل والجيران ، على حسب الأمر كان بمكاني فيه ، والسرور به ، ولكن المقدار يجري فينصرف معه ، وقع ذلك بالهوى أو خالفه ، ولئن كانت هذه حالي في الوحشة إن أكثر ذلك وأوفره لفراقك ، وما بعدنا عنه من الأنس بك ، فأسأل اللّه أن يهب لنا اجتماعا عاجلا في سلامة من الأبدان والأديان ، وغبطة من الحال ، وغنى عن المطالب برحمته - وله كتابي واللّه عز وجل يعلم وحشتي ولا أوحشك اللّه من نعمه ، ولا فرق بينك وبين عافيته ، وكان مما زاد في الوحشة أنها جاوزت الأمل المتمكن في الأنس بقرب الدار ، وتداني المزار ، نحمد اللّه على نعمه ، ونستديمه لنا فيك أجمل بلائه ، ونسأله أن لا يخلينا وإياك من شكره ومزيده ، ولو كتبت في كل يوم كتابا ، بل لو شخصت نحوك قاصدا ، لكان ذلك دون الحق لك ، ولكني علق بما تعلمه من العمل ، وأكره أن أتابع كتبي وأسلك سبيلا من الثقل فأنا واقف بمنزلة