محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

165

الآداب الشرعية والمنح المرعية

فإن فرج اللّه اللطيف بلطفه * وصادفت أهلا للعلوم وللحكم بثثت مفيدا واستفدت ودادهم * وإلا فمحزون لدي ومكتتم ومن منح الجهال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم وحكى ابن الأعرابي عن العرب أنها تقول من أمل رجلا هابه ، ومن جهل شيئا عابه ، وسيأتي في أن من العلم " لا أدري " قوله عليه السّلام : " وإن من القول عيا " " 1 " . وقال ابن عقيل في الفنون : يقول الشاعر : أحبّ المكان القفر من أجل أنني * أصرّح فيه باسمه غير معجم واكمداه من مخافة الأعيار ، واحصراه من أجل استماع ذي الجهالة للحق والإنكار ، واللّه ما زال خواص عباد اللّه يتطلبون لنزوحهم بمناجاتهم رؤوس الجبال والبراري والقفار ، لما يرون من استزراء المنكرين بشأنهم من الأغمار ، إلى أن قال : فلا ينبغي للعاقل أن ينكر تضليع أحواله وتكدير عيشه . وقال الجهال يفرحون بسوق الوقت حتى لو اجتمع ألف أقرع يزعقون على بقرة هراس لقوي قلبه بما يعتقد أولئك ، وينفر قلبه من أدلة المحققين ، بهيمة في طباع الجهال لا تزول بمعالجة . وقال : ويل لعالم لا يتقي الجهال بجهده ، قال : وكما يجب عليه التحرز من مضار الدنيا الواقعة من جهال أهلها بالتقية ، والواحد منهم يحلف بالمصحف لأجل حبة ، ويضرب بالسيف من لقي بعصبيته ، ويرى قناة ملقاة في الأرض فينكب عن أخذها ، والويل لمن رأوه أكب رغيفا على وجهه ، أو ترك نعله مقلوبة ظهرها إلى السماء ، أو دخل مشهدا بمداسه ، أو دخل ولم يقبل الضريح - إلى أن قال : هل يسوغ لعاقل أن يهمل هؤلاء ولا يفزع منهم كل الفزع ، ويتجاهل كل التجاهل في الأخذ بالاحتياط منهم ، فإن الذنوب مما تقبل التوبة عنها ، ولا إقالة للعالم من شر هؤلاء إذا زل في شيء مما يكرهون وينكرون ، وإن ظهر منه هوان وأبي إلا إهمالهم ، نظرا إليهم بعين الازدراء لهم ، فقد ضيع نفسه فإنه عندهم أهون ، وهم منه أكثر ، وعلى الإضرار به أقدر ، وهل تقع المكاره بالمسلم إلا من هؤلاء وأمثالهم ، فإذا احتشم الإنسان أهل العلم والحكمة توقيرا لهم وتعظيما ، أوجب الشرع والعقل إحتشام هؤلاء تحذرا واتقاء فتكهم ، وهل طاحت دماء الأنبياء والأولياء إلا بأيدي هؤلاء وأمثالهم ؟ حيث رأوا من التحقيق ما ينكرون ، فصالوا لما قدروا عليه ، وغالوا لما لم يقدروا عليه ، فهم بين قاتل للمتقين مكاشفة حال القدرة ، أو غيلة حال العجز ، فاسمع هذا سماع قابل ، فإنه قول من ناصح خبير بالعالم ، ولا تهون بهم فتهون بنفسك ويطيح دمك مما رأيت من جهلهم ، إنهم يعني لا

--> ( 1 ) قلت : وقد جاء بلفظ " إن من البيان سحرا ، وإن من الشعر حكما " أما ما ذكره المصنف فلم تقع عليه . ورواه أبو داود ( 5011 ) وأحمد ( 1 / 303 ، 309 ، 327 ) والترمذي ( 2845 ) وابن حبان ( 578 ) وغيرهم . وصححه الشيخ الألباني ، وانظر الصحيحة ( 1731 ) .