أحمد بن موسى بن طاووس الحلي

58

زهرة الرياض ونزهة المرتاض

سربت بفجاج « 1 » التّنزّه في كمالك انبسطت في مخايل « 2 » فكري عرصاتها ، فيا من حاط « 3 » جلاله بسرادق « 4 » عجز العقول عن معرفة كيفيّته ، وحرس مجده القديم عن تصوّر كنه ماهيّته ، ارحم من قصرت الألباب عن وصف ضعف قدرته ، وعجزت الأذهان عن شرح وهن جملته ، قد ألقى مهجته في يد الاستسلام ، واعترف بلزوم الحجّة في الغضب والاصطلام « 5 » ، إن استعان جوارحه في الاعتذار عن جرائمه كذّبته ، وإن أشار في تحقيق عظائمه صدّقته ، فيا من عمّ الخلائق فيض إفضاله ، أول « 6 » الصّفح مخذول أبعاضه وأوصاله . إلهي ، ارحم من انقطع رجاؤه إلّا منك ، وعمي نظر آمله إلّا عنك ، لا يجد نسيم بهجة إلّا أن يحرّكه عطف رضوانك ، ولا روح سرور إلّا أن يرجع عن حرم صفحك بأمانك . إلهي ، لو نطقت بلسان كلّ مخلوق ضارعا لم أتذرّع بذريعة أستوجب بها رحمتك ، ولو بكيت بعين كلّ مفجوع جازعا لم أتوسّل بوسيلة أستحقّ بها مسامحتك ، ولو سلبت آماقي « 7 » لذّة الرّقاد عمري رغبة إليك ما أدّيت حقّ محبّتك ، ولو أجريت دم أجفاني في التّوجّه إليك ما نهضت بواجب مخالصتك .

--> ( 1 ) . الفجاج واحدة الفجّ : الطريق الواسع الواضح بين جبلين . ( 2 ) . المخايل جمع المخيلة : المظنّة . ( 3 ) . حاطه حفظه وصانه ، حاط به : أحاط . ( 4 ) . السرادق واحد السرادقات : الفسطاط الّذي يمدّ فوق صحن البيت . ( 5 ) . الاصطلام : الاستئصال . ( 6 ) . أولاه معروفا : صنعه إليه ، والمعنى : فاغفر لمن خذله جوارحه ومفاصله . ( 7 ) . الآماق والأمآق جمع الموق والمؤق : مجرى الدّمع من العين أي من طرفها ممّا يلي الأنف .