أحمد بن موسى بن طاووس الحلي

59

زهرة الرياض ونزهة المرتاض

إلهي ، إذا خطر بقلبي معنى الأنس بك هام « 1 » عقلي في التّشوّق إليك ، وإذا حضر بلبّي حلاوة عطفك عليّ ألقيت روحي بين يديك . إلهي ، كيف يلذّ للجفون في ليالي الخلوات الاجتماع ومحبّتك تأبى إلّا تفريقها ، وكيف يفرح بكنوز الدّنيا عارف ، عارف « 2 » أنّ إرادتك تكره إلّا تمزيقها « 3 » . إلهي ، إذا صرفتني عن بابك فبمن أسترفد ؟ « 4 » وإذا ضللت في مهامه « 5 » تعويلي عليك فبمن أسترشد ؟ وإذا حجبتني عن موائد كرمك فبمن أستطعم ؟ وإذا قطعت حبل أمانك لي ، فبمن أستعصم ؟ وإذا قابلتني مقاصّا ، فأين موضع تجاوزك عنّي ؟ وإذا لم تقلني العثرة ، فمن يقبل المعذرة منّي ؟ وإذا طردتني عن مناهل « 6 » غوثك فمن يرويني ؟ وإذا نزعت ثوب رعايتك عنّي فمن يراعيني ؟ إلهي ، هربت إليك وحقيق بالهرب إليك عبد عصاك ؛ وعوّلت عليك وخليق بالتّعويل عليك من لا يجد إلّا إيّاك ؛ وحقّ جلالك ما عصيتك إقداما منّي عليك فتحيق « 7 » بي أخطار المقدمين ؛ ولا خالفتك متجرّئا فتحيط بي مجازاة المتجرّئين ؛ ولكن عصيتك إمّا مقرّا بالتّقصير ، أو خائفا ممّا أقدم عليه من الخطر الكبير ، أو راجيا صفحا يمحو خطيئتي ، أو آملا حلما يعفو أثر زلّتي ، أو غافلا عمّا يجب من حقّ السّيّد على

--> ( 1 ) . هام : ذهب على وجهه لا يدري أين يتوجّه ، والهائم : المتحيّر . ( 2 ) . كذا في النسختين ، فأحدهما اسميّ والآخر وصفيّ . ( 3 ) . مزّقه : شقّه . ( 4 ) . أسترفده : أستعينه وأستعطيه . ( 5 ) . المهامة جمع المهمة : المفازة . ( 6 ) . المناهل واحده المنهل : المورد ، موضع الشرب على الطريق . ( 7 ) . حاق به : أحاط به . وفي القرآن الكريم : لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ لا يحيق المكر السيّئ إلّا بأهله .