العز بن عبد السلام
365
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
وما أنا إلا مخلوق من حرفين " 1 " ، وبالأمس كنت لا أثر ولا عين . من كان بالأمس عدما مفقودا ، كيف يعرف رؤية من لم يزل موجودا [ ولا يزال معبودا ، وكيف يسمع من يسمع من لا حد له محدودا ، ولا عددا له معدودا ] " 2 " ، ولا والدا ولا مولودا . وهو سبقني بالاستواء ، وقهرني بالاستيلاء ، فلو لا استواؤه لما استويت ، ولولا استهداءه لما استهديت . استوى إلى السماء وهي دخان ، واستوى على العرش لقيام البرهان ، فو عزته لقد استوى ، ولا علم لي بما استوى ، وأنا والثرى بالقرب منه على حد سوى ، فلا أحيط بما حوى ، ولا أعرف ما زوى ، ولكني عبد له ، ولكل عبد ما نوى . ثم إني أخبرك بقصتي ، وأبث إليك شكوى غصتي ، أقسم بعلي عزته ، وقوي قدرته ، لقد خلقني ، وفي بحار أحديته غرقني ، وفي بيداء أبديته حيرني . تارة يطلع من مطالع أبديته فيغشني . وتارة يدنيني من مواقف قربه ، فيؤنسني . وتارة يحتجب بحجاب عزته فيوحشني . وتارة يناجيني بمناجاة لطفه فيطربني . وتارة يواصلني بكاسات حبه ، فيسكرني . وكلما استعذبت من عربدة سكري ، قال لسان أحديته : لن تراني . فذبت من هيبته فرقا ، وتمزقت من محبته قلقا ، وصعقت عن تجلي عظمته كما - خرّ موسى صعقا - . فلما أفقت من سكرة وجدي به قيل لي : أيها العاشق ، هذا جمال قد صناه ،
--> ( 1 ) يعني كن - الكاف والنون . ( 2 ) الزيادة من ( أ ) و ( ع ) .