العز بن عبد السلام
353
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
وقوم : يرفعون الآفات . وقوم : يزخرفون الجنان . وقوم : يسعرون النيران . فلما تمهّدت الدار ، ودار كأس إرادته فاستدار ، فأول ما استحضر إلى ذلك المحضر إبليس ، وهو يرفل في ثياب التسبيح والتقديس ، لكنها محشوة بأدغال التدليس . فلما حضر إلى ذلك المحضر ، وشاهد جمال ذلك المنظر ، ووقف على عرفات المعرفة فأنكر ، وأصرّ على العصيان وأضمر ، واستصغر حق هذا الماء والطين واستحقر . فلما قيل له : اسجد في [ صفوة ] " 1 " صفاء كاساتك ، فأبى واستكبر ، فتجاوز الكاس ، وفاتته صحبة الأكياس ، وبقي في ظلمة الغم والوسواس ، وفتش أكياس علمه وعمله ، فإذا هي فلوس أكياس ، فبقي منقطعا في مفازة القطيعة ، قاطعا للشيعة والشريعة ، كلما تزايد كربه ، وتعاظم عليه ضربه ، يستغيث بلسان وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ [ النساء : 119 ] ، والقدر يقول : لأكتبن لهم منشور الأمان [ متوجا بعلامة ] " 2 " إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الحجر : 42 ] ، فسأل المالك الإنظار " 3 " فأنظر ، ليكون قائد الكفار إلى النار ، عكازة يعتمد عليها ذوو الذنوب والأوزار ، فإذا زلّ أحدهم قال : إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ [ آل عمران : 155 ] ، وإن عمل قال : هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ القصص : 15 ] . فلما اقتحم آدم وإبليس عقبة المعصية ، هذا بترك ما أمر به ، وذاك يفعل ما نهي عنه ، جمع بينهما القدر إذ قدّر ، لأنه تعالى أمر ، وأراد خلاف ما أمر ، فما وهبه الأمر سلبته الإرادة " 4 " .
--> ( 1 ) ما بين [ ] ليس في ( ش ، ع ) . ( 2 ) ما بين [ ] سقط من ( ش ) . ( 3 ) إشارة إلى قوله : ( قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) . ( 4 ) قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : " وقد تكلّم الناس في معنى الإرادة ، فكل عبّر حسب ما لاح لقلبه ، فأكثر المشايخ قالوا : الإرادة ترك ما عليه العادة ، وعادة الناس في الغالب التعريج في أوطان الغفلة ، والركون إلى اتباع الشهوة ، والإخلاد إلى ما دعت إليه المنية ، والمريد منسلخ -