العز بن عبد السلام
354
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
فلما تعدياها : حكم لإبليس أن لا يتعدّاها . وطنب " 1 " الشقي فيها خيامه ، وجعل في عرصتها مقامه . وأما آدم فإنه حنّ إلى دار المقامة ، وتذكر لياليه وأيامه ، فعاد على نفسه بالملامة ،
--> - عن هذه الجملة ، فصار خروجه أمارة ودلالة على صحة الإرادة ، فسميت تلك الحالة إرادة ، وهي خروج عن العادة ، فإن ترك العادة أمارة الإرادة ، وأما حقيقتها : فهو نهوض القلب في طلب الحق - سبحانه وتعالى - ولهذا يقال : إنها لوعة تهون كل روعة . وقيل عن بعض المشايخ : كنت بالبادية وحدي فضاق صدري فقلت : يا إنس كلموني ! فهتف بي هاتف : ما ذا تريد ؟ فقلت : أريد اللّه تعالى ؟ يعني : أن من قال للإنس والجن كلموني متى يكون مريدا للّه - عز وجل - والمريد لا يفتر آناء الليل والنهار ، فهو في الظاهر ينعت المجاهدات ، وفي الباطن لا يفتر آناء الليل والنهار ، فهو في الظاهر ينعت المجاهدات ، وفي الباطن يوصف المكابدات ، فارق الفراش ، ولازم الانكماش ، وتحمل المصاعب ، وركب المتاعب ، وعالج الأخلاق ، ومارس المشاق ، وعانق الأهوال وفارق الأشكال كما قيل : ثم قطعت الليل في مهمة * لا أسدا أخشى ولا ذئبا يغلبني شوقي فأحوي السرى * ولم يزل ذو الشوق مغلوبا سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق يقول : الإرادة لوعة في الفؤاد ، لدغة في القلب ، غرام في الضمير ، انزعاج في الباطن ، نيران تتأجج في القلوب ، وسمعته يقول : كنت في ابتداء صباي محترفا في الإرادة ، وكنت أقول في نفسي ليت شعري ما معنى الإرادة ؟ وقيل : من صفات المريد : التحبب إليه بالنوافل ، والخلوص في نصيحة الأمة ، والأنس بالخلوة والصبر على مقاساة الأحكام ، والإيثار لأمره ، والحياء من نظره ، وبذل المجهود في محبوبه ، والتعرّض لكل سبب يوصل إليه ، والقناعة بالخمول ، وعدم الفرار بالقلب إلى أن يصل إلى الربّ . قال أبو عثمان الحيري : من لم تصح إرادته بدار ، لا يزيده مرور الأيام إلا إدبار . وقال محمد الواسطي : أول مقام المريد إرادة الحق بإسقاط إرادته . وقال يحيى بن معاذ : أشد شيء على المريدين معاشرة الأضداد . - وسئل الجنيد : ما للمريد في مجرى الحكايات ؟ فقال : الحكايات جند من جنود اللّه - تعالى - يقوي بها قلوب المريدين فقيل له : فهل لك في ذلك شاهد ؟ فقال : نعم ، قوله تعالى : ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [ هود : 120 ] انظر : الرسالة ( ص 201 ، 205 ) ط دار الخير - دمشق . ( 1 ) الطنب هو : حبال الخباء التي يشدّ بها .