العز بن عبد السلام
343
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
الأمد ، ففسدت تلك الخميرة بفساد تلك الطينة ، فكأنه كان مستودعا ، فاسترجع منه ما استودع ؛ إذ لم يكن لحفظها أهلا ، فهو مستودع [ أثر ] " 1 " الإيمان في قلوب الكافرين مستقر في قلوب المؤمنين وهو معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : كل مولود يولد على الفطرة " " 2 " ، الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [ الروم : 30 ] ، وهو تساويهم في الإيمان ، في قول أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] ، واستووا في التلبية ، ونطقوا بالإجابة لسريان تلك الخميرة النبوية في أجزاء ذرياتهم ، وقد سبق في علم اللّه ونفذ تقديره ، فيمن يبقى على ذلك الإقرار : لا يستحيل إلى الجحود والإنكار ، وكل ما يحدث في شجرة الكون ، من نمو وزيادة ، وأزهار وأثمار أفكار ، ومتشابه شوق ، ومحكم ذوق ، وصفاء أسرار ، ونسيم استغفار ، وما ينمو به من الأعمال ، وتزكوا به الأحوال ، وما تورق به من رياضات النفوس ، ومناجاة القلوب ، ومنازلات الأسرار ، ومشاهدات الأرواح ، وما ينبت به من أزاهير الحكم ، ولطائف المعارف ، وما يصعد من طيب الأنفاس ، وما يعقد من ورق الإيناس ، وما ينشأ من رياح الارتياح ، وما يبنى على أصلها من مراتب أهل الاختصاص ، ومقامات الخواص ، ومنازلات الصدّيقين ، ومناجاة المقربين ، ومشاهدات المحبّين . كل ذلك من لقاء الغصن المحمديّ ، متوقد من نوره ، مستمد من نماء نهر كوثره ، مغذى بلباب بره ، مربى في مهد هدايته ؛ فلذلك عمّت بركاته ، وتمّت على الخلائق رحمته وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] . فلما مهّد لأجله الدار ، وسخّر من أجله الليل والنهار ، ورسم الرسوم ، وحدّد الأقطار ، ونوّه بذكره ، ونبّه على سره وقدره ، وأخذ الميثاق على تصديقه ، والتمسك بحبل تحقيقه ، جلا عروس شريعته على أتباعه وشيعته ، ثم ختم بنبوته الأنبياء ، وبكتابه الكتب ، وبرسالته الرسل . فمن احتمى بحمى شريعته : سلم ، ومن استمسك بحبل ملته عصم .
--> ( 1 ) ما بين [ ] ليس في ( ش ) . ( 2 ) رواه مسلم في " صحيحه " ( 16 / 209 ) نووي ، وقال الخطيب : رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب محمد بن العلاء عن أبي معاوية " الفوائد المنتخبة " ( 148 ) .