العز بن عبد السلام

342

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

معنى قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [ الأحزاب : 45 - 46 ] ، فهو مصباح ظلمة الكون ، وروح جسد الوجود ؛ لأن اللّه تعالى لما خاطب السماوات والأرض ، وقال لهما ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] ، فأجابه موضع الكعبة من الأرض ، ومن السماء ما يحاذيه ، فكانت تربة بقعة الكعبة ، وكان محل الإيمان من الأرض ، فلما أمر اللّه بالقبضة التي قبضت من الأرض لخلق آدم عليه السّلام ، فقبضته من سائر الأرض ، من طيبها وخبيثها ، فكانت طينة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مخلوقة من موضع الكعبة ، التي هي محل الإيمان باللّه تعالى . ثم عجنت تلك الطينة بطينة آدم عليه السّلام ، فكانت تلك الطينة بمنزلة الخميرة ، ولولا ذلك لما أطاقوا الإجابة يوم الإشهاد ، وهو معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " " 1 " . فكانت ذرات الوجود وبركته : من ذرة وجوده . فلما أشهدهم على أنفسهم في حضرة شهوده ، قال أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] ، فسرت في أجزاء ذرياتهم تلك الخميرة النبوية ، فانطلقت - بإذن اللّه تعالى - ألسنتهم بالتلبية ، [ فقالوا بلى ] " 2 " . فمن كانت طينته قابلة للتخمير بما سبق في التقدير : بقي معه ذلك التخمير باقيا فيه ، مستصحبا حتى ظهر إلى الحسّ ، وظهر في تلك الصورة ، فبرز المعنى محققا لتلك الدّعوى ، فأشرق نور ذلك المعنى الروحاني على ما يحاذيه من الجسد الجسماني ، فأشرق الجسد بعد ظلمته ، فاستنارت الجوارح لرشدها ، فعملت بالطاعة . وأما من كانت طينته خبيثة ، غير قابلة للتخمير ، وإنما أثرت تلك الخميرة مقدار ما اعترف عند الأشهاد ، وأفصحت في ذلك لإقرار في حال الاستقرار ، ثم طال عليها

--> ( 1 ) رواه ابن سعد في " الطبقات " ، وأبو نعيم في " الحلية " ، كما في " الجامع الصغير " ( 2 / 97 ) ، و " كنز الحقائق " ( 2 / 43 ) . ( 2 ) ما بين [ ] زيادة من ( أ ) ، ( ع ) .