العز بن عبد السلام

26

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

فصل فيما يتخلق به من أوصاف الذات وهي ضربان : أحدهما : القدرة والحياة ، ولا تخلق بهما ؛ إذ لا يمكن اكتسابهما ، لكن يجب حفظها وحفظ سائر منافع البدن وأعضائه ليستعمل ذلك في طاعة رب الأرباب ولا يعزر بشيء من ذلك إلا في الجهاد ونحوه ، فنحفظ العين لإبصارها ، وسائر الحواس لإدراكها ، واليد لبطشها ، واللسان لنطقه ، والعقل لفوائده ، والرجل لمشيها . وفي وجوب إزالة الأدواء عن هذه الأعضاء بالمعالجة والدواء قولان ، وتخبيل العقل بشيء من المسكرات إلا بإكراه أو ضرورة ، ولا يجوز ستره بالغفلات المحرمات ، ويستحب صونه عن الغفلة عن كل مندوب ، وذلك بنفي أسباب الغفلات من الشواغل والملهيات .

--> - إلا بإذنه ، وأن الخلق مقهورون تحت قبضته ، وأنه ما في قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه ، إن شاء أن يقيمه أقامه ، وإن شاء أن يزيغه أزاغه ، فالقلوب بيده ، وهو مقلبها ومصرّفها كيف شاء وكيف أراد ، وأنه هو الذي آتى نفوس المؤمنين تقواها ، وهو الذي هداها وزكاها ، وألهم نفوس الفجار فجورها وأشقاها : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [ الأعراف : 178 ] . يهدي من يشاء بفضله ورحمته ، ويضل من يشاء بعدله وحكمته ، هذا من فضله وعطائه ، وما فضل الكريم بممنون ، وهذا عدله وقضاؤه : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : الإيمان بالقدر نظام التوحيد ، فمن كذّب بالقدر نقض تكذيبه توحيده ، ومن آمن بالقدر صدق إيمانه وتوحيده . وفي هذا المشهد يتحقق للعبد مقام إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] علما وحالا فيثبت قدم العبد في توحيد الربوبية ، ثم يرقى منه صاعدا إلى توحيد الألوهية ، فإذا تيقن أن الضر والنفع ، والعطاء والمنع ، والهدى والضلال ، والسعادة والشقاوة : كل ذلك بيد اللّه لا بيد غيره ، وأنه الذي يقلّب القلوب ، ويصرفها كيف يشاء ، وأنه لا موفق إلا من وفقه وأعانه ، ولا مخذول إلا من خذله وأهانه وتخلى عنه ، وأن أصح القلوب وأسلمها وأقومها ، وأرقها وأصفاها ، وأشدها وألينها : من اتخذه وحده إلها معبودا ، فكان أحب إليه من كل ما سواه ، وأخوف عنده من كل ما سواه ، وأرجى له من كل ما سواه ، فتتقدم محبته في قلبه جميع المحابّ ، فتنساق المحابّ تبعا لها كما ينساق الجيش تبعا للسلطان ، ويتقدّم خوفه في قلبه جميع المخلوقات ، فتنساق المخاوف كلها تبعا لخوفه ، ويتقدّم رجاؤه في قلبه جميع الرجاء ، فينساق كل رجاء تبعا لرجائه . فهذه علامة توحيد الألوهية في هذا القلب ، والباب الذي وصل إليه من توحيد الربوبية - أي توحيد الألوهية - هو توحيد الربوبية . . انظر : مدارج السالكين ( 1 / 442 ، 445 ) .