مؤلف مجهول

337

كتاب في الأخلاق والعرفان

[ ذكر الدّنيا ] [ قال الحافظ : ] [ عن أمير المؤمنين عليه السّلام ] أنّه قال : الدّنيا دار عناء وفناء وغير وعبر ، فمن عنائها أنّ المرء يجمع ما لا يأكل ويبني ما لا يسكن ، ومن فنائها أنّك ترى الدّهر موترا قوسه مفوّقا نبله يصيب الصّحيح بالسّقم والسّقيم بالموت ، ومن غيرها أنّك ترى المغبوط مرحوما والمرحوم مغبوطا ليس بينهما إلّا نعيم زلّ أو بؤس نزل « 1 » ، ومن عبرها أنّك ترى المرء يشرف على أمله فيخطفه دنوّ أجله « 2 » . وسمّيت الدّنيا لدنوّها من الخلق ، والآخرة لتأخّرها عنهم . قال اللّه تعالى : إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وهي أقرب طرف الوادي وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى « 3 » وهي أبعد طرفها . وقال أبو يزيد البسطامي : وجدت النّاس على أربع في حديث الدّنيا : طالب فاجر ، وطالب صالح ، وزاهد تارك ، وصدّيق محبّ . فالفاجر يحدّثك عن الجهل والفجور ، والصّالح يحدّثك عن الورع وأبواب البرّ ، والزّاهد يحدّثك عن إظهار عيوبها وإيثار الآخرة عليها ، والصدّيق نبل عقله وكرمت نفسه عن أن يحدّثك بدار الخراب . وقيل : الدّنيا غفلة وشهوة ؛ فالغفلة حجاب الطّاعة ، والشّهوة حجاب المعرفة . وقيل : الدّنيا خطوة تحت قدم العارف ، وذرّة عند الموحّد . وبعد ، فأنا أصفها بأدنى ما عندي دون الاستقصاء ، فأقول مستعينا باللّه : الدّنيا تخلق

--> ( 1 ) . في الأصل : ذلّ أو بؤس ترك ، وفي النّهج : زلّ ونزل ، وفي التّحف : زال ونزل . ( 2 ) . نهج البلاغة الخطبة 110 . تحف العقول : 218 مع الاختلاف الذي يدلّ على اختصاصه بمصدر آخر غير نهج البلاغة . وراجع مصادر نهج البلاغة 2 / 252 . ( 3 ) . الأنفال : 42 .