مؤلف مجهول

338

كتاب في الأخلاق والعرفان

الأبدان وتجدّد الآمال وتقرّب المنيّة وتفرّق الأحبّة ، أعمارها قصيرة وأخطارها حقيرة ، محنها مقبلة ونعمها مدبرة ، بناؤها للخراب وصاحبها للتّراب ، غناؤها بلاء وبنيانها منهدم وشجرها منهشم ، إمّا نعمة زائلة وإمّا مصيبة جارية وإمّا منيّة قاضية ، لا يفرح بها إلّا الجهّال ولا يفخر بها [ إلّا ] الرذّال ، من رغب فيها استعبدته ومن مال إليها صرعته ومن حرص عليها فضحته ومن أحبّها قتلته ومن استعان بها خذلته ، طالبها متعوب وجامعها مكروب وصاحبها محجوب ، مثّلها الحكماء بالعروس المحليّة تشوّقت لخطّابها وفتنت بغرورها ، فالعيون إليها ناظرة والقلوب عليها والهة والنّفوس لها عاشقة ، وهي لأزواجها قاتلة . ما أشبهها بالمرأة المسافحة ؛ متزوّجها مذموم نادم ومطلّقها محمود سالم ، زرعها محصود وجمعها مكدود ويومها مفقود وعزّها مردود ، تاركها في راحة وسرور وجامعها في تعب وغرور ، أوّلها خيال وأوسطها ضلال وآخرها وبال ، أمسها موعظة ويومها غنيمة وغدها لا يدرى من صاحبه ؟ من تفكّر فيها أبصر ومن اعتبر فيها صبر ومن صبر فيها ظفر ، نيلها ويل ووصلها فصل وملكها هلك . فطوبى لمن أصبح فيها راضيا بتربة أرض تقلّه وسماء تظلّه ، كسرة تكفيه وخرقة تواريه ، زاده التّقوى وهمّته « 1 » سيرته الوفاء وزينته الحياء ، لباسه الصّبر ومركبه الشّكر ، سبيله الحقّ وطريقه الصّدق ، رفض الدّنيا إلى أربابها ولم يركن إليها مع طلّابها ولم يتمتّع بأسبابها ، ينتظر الموت ويتهيّأ له كالمسجون في السّجن يترقّب كلّ ساعة رسول السّلطان ، لا يسكن من روعته ولا يطمئنّ من اضطرابه حتّى يعبر قنطرة الهلاك أو النّجاة . العالم بأسباب الدّنيا ، العارف بفنائها ، المنتظر لزوالها ، الزّاهد في شهواتها ، التّارك للذّاتها ، لا يزال ينتظر رسول الموت ، ينجو من فتن الدّنيا ويقبل إلى نعيم الأبد لأنّه في جهد العبادة وطلب النّجاة وتجرّع الغصص وترك الشّهوات واحتمال « 2 » . [ هذا آخر ما وجدناه من هذا الكتاب القيّم ، والحمد للّه ربّ العالمين ] .

--> ( 1 ) . هنا كلمة لا تقرأ . ( 2 ) . هنا سقطت من الأصل صفحتان أو أكثر .