مؤلف مجهول
289
كتاب في الأخلاق والعرفان
الْأَرْضِ يقول : لو أعطوا ما تمنّوا ووجدوا ما أرادوا لطلبوا ما ليس لهم وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ في الأوقات على حسب المصالح إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ « 1 » . والرّزق على وجهين : عاجل وآجل . أمّا العاجل ، فالدّنيا وأقسامها يشترك فيها البرّ والفاجر ويأكل فيها المؤمن والكافر لأنّها أغراض زائلة وأسباب فانية . وأمّا الآجل ، فهي خالصة للمؤمنين يوم القيامة لا يجدها إلّا المخلصون ولا ينالها إلّا المتّقون ، قال اللّه تعالى : وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى « 2 » يعني الجنّة . وقيل : هو القوت الحلال . فالعاقل اللبيب لا يتعب نفسه في طلب موضوع عنه غير موكول إليه ولا مأمور به وهو في عيبة « 3 » مسدود بابه لا يقف عليه إلّا بعد ظهوره . وقد قال الصّادق عليه السّلام : ما أجمل في الطّلب من ركب البحر « 4 » . وذكر عن الحسن البصري قال : لا تجاهد الطّلب جهاد المغالب ولا تتّكل على القدر اتّكال المستسلم ، فإنّ ابتغاء الفضل من السّنّة والإجمال في الطّلب من العفّة ، فإنّ العفّة ليست بدافعة رزقا والحرص ليس بجالب فضلا ، ولكنّ الرّزق مقسوم . وفي استعمال الحرص اكتساب المآثم ، فأرزاق الدّنيا لا تجري على الاستحقاق لكنّها تجري على الامتحان ، فلربما ترى مسعودا في الدّين مكدودا في الرزق ، وكثيرا ما ترى محدودا في الدين مجدودا في الرزق ، وذلك لأنّ الدّنيا قناطر جعلت للعبور وبنيت للارتحال ودول قرنت بالزّوال ، والعاقل لا يركن إليها ولا يطمئنّ بها ولا يطلبها إلّا من وجهها ، فإنّ حلالها وإن قلّ أفضل عنده من الحرام وإن كثر ، ولا يهتّم لرزق غده ولا يضيّع مفروضا في طلبه .
--> ( 1 ) . الشّورى : 27 . ( 2 ) . طه : 131 . ( 3 ) . في الأصل : غيبة . ( 4 ) . الكافي : 5 / 256 والفقيه : 1 / 460 .