مؤلف مجهول

276

كتاب في الأخلاق والعرفان

ونعت « 1 » نفسها وأهلها ، فمثّلت ببلائها البلاء وشوقت بسرورها إلى السّرور وراحت بفجيعة وابتكرت بعافية تحذيرا وترغيبا ، فذمّها أقوام غداة النّدامة وذكّرتهم فلم يذكّروا وحدّثتهم فلم يصدّقوا وحذّرتهم فلم يحذروا ، وحمدها آخرون حدّثتهم فصدّقوا وذكّرتهم فتذكّروا وحذّرتهم فخافوا . فأيّها الذّامّ للدّنيا المغترّ بتغريرها المتخدّع بباطل آمالها ، متى استذمّت إليك أو متى غرّتك ؟ أبمصارع آبائك من الثّرى أم بمضاجع أمّهاتك من البلى أم بطوارق النّعى من إخوانك أم ببواكي الصّريع من أحبّائك ؟ كم علّلت بيديك وكم مرضت بكفّيك تبغي له الشّفاء وتستوصف له الأطبّاء لم تنجح له بطلبتك ولم تدفع عنه باستقامتك ، مثّلت لك « 2 » الدّنيا مصرعه بمصرعك ومضجعه بمضجعك ، هيهات حين لا يغني عنك بكاؤك ولا ينفعك أحبّاؤك « 3 » . قال اللّه تعالى : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ يعني أنّ صفة الحياة الدّنيا كمطر نزلت من السّماء أيّام الرّبيع فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ يعني بالماء مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ مثل الحنطة وما يعيش به بنو آدم وَالْأَنْعامُ مثل التبن والشّعير وما جعل غذاء لهم حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها يعني زينتها عند ظهور النّبت وَازَّيَّنَتْ يعني وتزيّنت بألوان الحسن وَظَنَّ أَهْلُها يعني الأرباب أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها يعني على تحصيل منافعها أَتاها أَمْرُنا بالإهلاك لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً يعني ذاهبا زائلا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ إذا جرى عليها حكم الفناء والزّوال كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ « 4 » يقول : كما بيّنّا هذا المثل المضروب يتبيّن الدّلائل على فناء الدّنيا لمن تفكّر فيها وأبصرها .

--> ( 1 ) . في الأصل : تغرّ . ( 2 ) . في الأصل : له . ( 3 ) . راجع نهج البلاغة خ 131 والبيان والتّبيين : 2 / 219 وتاريخ اليعقوبي : 2 / 208 والإرشاد للمفيد : 141 وانظر مصادر نهج البلاغة 4 / 118 واختلاف ما نقله المؤلّف مع ما نقل في هذه الكتب يدلّ على أنّ مصدر مؤلّفنا غير تلك المصادر . ( 4 ) . يونس : 24 .