مؤلف مجهول

277

كتاب في الأخلاق والعرفان

فأيّ دار أكثر محنة وأعظم مصيبة من دار لا يسكن أهلها على حالة إلّا ويرد عليه ما يكدّرها وينغّصها ، غناؤها بلاء وبناؤها خراب وصاحبها متعوب وطالبها مكروب وملكها هلك ووصلها فصل ونوالها زوال ونيلها ويل [ و ] قربها بعد وطربها كرب وفرحها قرح وعزّها ذلّ وصحّتها سقم وشبابها هرم وحبرتها « 1 » حسرة ونعمتها شدّة وصفوها كدر وحلوها مرّ ، وابن آدم منها على خطر ؛ إمّا زوال نعمة أو حلول نقمة أو نزول بليّة . محنها أكثر من نبات الأرض ومصائبها أعظم من الجبال الرواسي ، لا يغترّ بها إلّا الجهّال ولا يركن إليها إلّا الرذّال ، متاعها عارية ولذّتها فانية وأنفاسها معدودة . هي كما قال اللّه تعالى في التّوراة : يا ابن آدم ، القصر الّذي بنيته للخراب ، وعمرك عارية وجسدك للرّدى والدّيدان ، ومالك الّذي جمعت للورثة والأكل والمهنأ لغيرك والعرض والحساب عليك والحسرة والنّدامة لك ، وصاحبك في القبر العمل الصّالح والشرّ « 2 » . وقد قال في القرآن ما فيه عبرة لاولي الأبصار وعظة لذوي الأنوار : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً « 3 » . فالعاقل عاجز عن وصف عيوبها وذكر محنها ، فليس له إلّا الإعراض عنها والاستخفاف بها ورفض أسبابها ، فإنّ عاقبتها الفوت وغايتها الموت .

--> ( 1 ) . كذا . والحبرة : السّرور والنّعمة وكلّ نغمة حسنة . ( 2 ) . في الأصل : الستر . ( 3 ) . الإسراء : 19 - 18 .