ابن الجوزي
587
كتاب ذم الهوى
وقال غيره : وما في الأرض أشقى من محبّ * وإن وجد الهوى عذب المذاق تراه باكيا في كل حين * مخافة فرقة أو لاشتياق فيبكي إن نأوا شوقا إليهم * ويبكي إن دنوا خوف الفراق فتسخن عينه عند التنائي * وتسخن عينه عند التلاقي فإذا عرفت غرور الشيطان في زعمه أن القرب دواء ، وأن النظر شفاء ، بما أوضحت لك من أن قوله محال ، وأنه أمر تزيد به الحال ، مع ارتكاب المحظور الذي لا طاقة بعذابه ، ولا قوة على عقابه ، علمت حينئذ أنه لا علاج إلا بالهجر ، وحسم الطبع من غير تردد . أخبرنا إبراهيم بن دينار ، قال : أنبأنا ابن نبهان ، قال : أنبأنا ابن دوما ، قال : أنبأنا أحمد بن نصر الذارع ، قال : حدثنا صدقة بن موسى ، قال : حدثنا الأصمعي ، قال : قلت لأعرابي : صف الحبّ ، فقال : هو نبت بذره النظر ، وماؤه المزاورة ونماؤه الوصل ، وقلّته الهجر ، وحصاده التجني . أخبرنا عمر بن ظفر ، قال : أنبأنا جعفر بن أحمد ، قال : أنبأنا عبد العزيز بن علي ، قال : أنبأنا ابن جهضم ، قال : حدثنا محمد بن علي الوجيهي ، قال : سئل أبو علي الرّوذباري : لم يلحق الإنسان من التعذيب عند لقاء من يحبه أشدّ من وقت الفراق ؟ . فقال : أجيب عنه ببيت شعر : بكى عليها حتى إذا حصلت * بكى عليها خوفا من الغير فصل : وتفكّر في خطواتك إلى لقاء محبوبك .