ابن الجوزي
583
كتاب ذم الهوى
أخبرنا ابن ناصر ، قال : أنبأنا أحمد بن علي بن خلف ، قال : أنبأنا أبو عبد الرحمن السّلمي ، قال : سمعت أبا نصر الطوسي يقول : سمعت أبا مسلم الأصبهاني يقول : قال علي بن سهل : التمست الراحة فوجدتها في اليأس . وعلاج هذا المرض : العزم القوي على البعد عن المحبوب ، والقطع الجزم على غض البصر عنه ، وهجران الطمع فيه ، وتوطين النفس على اليأس منه ، والنظر فيما تقدم من ذم الهوى والتحذير من ذلك . فصل : فإن كان تكرار النظر قد مكّن نقش صورة المحبوب في القلب ، فأثّر ذلك قوة الفكر وزيادة الشهوة واشتداد القلق ، فسبب ذلك زيادة الطمع وقوته . وقد أعلمتك أن المحبة كشجرة ، وأن النظرات كماء يجري إليها ، فكلّما سقاها عتت وعست « 1 » ، وإنما دخلت هذه الآفات من باب إطلاق البصر فيما حظره الشرع . فبذلك تمكّن سلطان الهوى من القلب فبثّ جند الفساد في رستاق « 2 » البدن . وكم قد تمكن هذا المرض من شخص فلم يؤثّر فيه عذل عاذل ولا ضرب ضارب . أنبأنا علي بن عبيد اللّه ، قال : أنبأنا محمد بن أبي نصر ، قال : أنبأنا منصور بن النعمان ، قال : أنبأنا أبو مسلم الكاتب ، قال : حدثنا أبو بكر بن دريد ، قال : أنبأنا أبو حاتم ، قال : قال الأصمعي : تزوج أعرابي امرأة من بني عقيل ، فسمعها تتمثل ببيت غزل ، فقال لها : ما هذا الذي تتمثلين به ، لعلك عاشق ، لئن سمعتك تعودين لمثل هذا لأضربن ظهرك وبطنك ، فأنشأت تقول :
--> ( 1 ) عست : غلظت . ( 2 ) الرستاقي : فارسي معرب وهو البيوت المجتمعة .