ابن الجوزي
584
كتاب ذم الهوى
فإن يضربوا ظهري وبطني كليهما * فليس لقلب بين جنبيّ ضارب فطلقّها . وعلاج هذا المرض من جنس ما تقدم ، إلا أنه ينبغي أن يكون أقوى منه ، فإنه يفتقر إلى قوة شديدة في العزم على الغض وهجر المحبوب قطعا بتّا . ليعود بالغضّ غضّ نبات المحبة الذي سقي بمياه النظرات هشيما . وأنت تعلم أنه إذا انقطعت مياه الوادي نسفته الرياح وأنشفته ، فعاد كأن لم يكن . ودوام البعد عن المحبوب يعمل في محو ما نقش في القلب ، فيمحو اليسير منه بعد اليسير ، من حيث لا يعلم . كما أن مرور الزمان يمحو أثر المصيبة من القلب . ومتى اشتدت العزيمة فقطعت الطمع ومكّنت اليأس ، ثم أجيل الفكر في خوف العواقب في الدنيا والعقوبة في الأخرى ، وكرّر على النفس ما سبق من ذم الهوى وما فعل بأربابه فأضناهم وأمرضهم ، وأذهب دينهم ودنياهم وجاههم بين الناس ، فاستغاثوا بعد الفوت . كما قال محمد بن مناذر : من فتى أصبح في الحبّ * م سقاه الحب سمّا كلما أخفى جوى الحبّ * م عليه الدمع نمّا ساهر لا يطعم النو * م إذا اللّيل ادلهمّا كلما راقب نجما * فهوى راقب نجما يا ثقاتي خطم الحبّ * م لكم أنفي وزمّا يا أخي دائي جوى الحبّ * م وداء الناس جمّا لا تلم مفتضحا في الحب إنّ الحبّ أعمى