ابن الجوزي
579
كتاب ذم الهوى
صحو معه ؟ فيقال لمن يهوى في الهواء : أمسك نفسك ؟ ! . فالجواب من وجهين : أحدهما : أنّا قد قلنا إنما يداوى هذا المرض قبل بلوغ نهايته ، فإنها أحوال يمكن علاجها . والثاني : أن لكل شيء سببا يضعفه ويقوّيه . فأنا أعرفك السبب الذي يضعف العشق ويوهنه ، وأحذرك من السبب الذي يزيده قوة . فما قلت لك : امنع النار أن تحرق ، وإنما قلت : أطفئها . ولا قلت : ادفع الماء عن أن يغرق ، وإنما علّمتك السباحة . وهذا حين شروعنا في ذكر المرض والعلاج . واللّه الموفق . فصل : اعلم أن بداية العشق في الأغلب تكون عند النظر إلى المحاسن . ولحصول العشق بهذا النظر علامة ، وهي أنه إذا وقع النظر إلى المستحسن خفق القلب خفوقا يكاد يطير إليه . فإذا ردّ الإنسان الطرف قلق القلب حتى يعود . فإذا أطلق ثم ردّ فكّ اللجام قهرا وعاود النظر . فهذه علامة العشق لا تكاد تخطىء . إلا أن في الناس من يتعلق قلبه بالمنظور في بديهة النظر ، فإذا ردّد نظره بان له من العيوب ما لم يكن بان ، فزال ما كان علق بقلبه ، لأن النفس تصورت في بداية النظر من الصورة معنى أعانها عليه تخيّل الشهوة وتوهّم اللذة . فزادت الصفة عن مقدار العيان . فإذا تكرر النظر وحقّق أثبت حقيقة الصورة ، فزالت