ابن الجوزي
574
كتاب ذم الهوى
الرجل رسولا قاصدا إلى الملك يعرفه خبر شيرين ومكانها والخاتم . فلما ورد الرسول على أبرويز أمر للرسول بمال عظيم وجعل له رتبة جليلة ببشارته ، ووجه معه بخدم ومراكب وهوادج وكسى وحليّ وطيب ووصائف ، حتى أتوه بشيرين ، فورد عليه من الفرح بها ما لم يفرح بشيء مثله ، وكانت من أكمل النساء كمالا وجمالا وبراعة . وذكر أبرويز أنه ما جامعها قط إلا وجدها كالعذراء ، وكان قد شرط على نفسه أنه لا يأتي حرة ولا أمة مرة واحدة إلا أتاها قبل ، وعهد كل واحد لصاحبه أن لا يجتمع مع أحد لمباضعة ، فلما هلك أبرويز أرادها شيرويه ، فأبت وعرفته العهود ، فرماها بكل معضلة من الفجور ، وبعث الشعراء على ذمها ، فلما لجّ ولم تجد عنه محيدا ، بعد أن غصبها جميع مالها وضياعها ، قالت : أفعل ما سألت بعد أن تقضي لي ثلاث حوائج : ترد عليّ أموالي وضياعي ، وتسلم إليّ قتلة زوجي ، وتدعو العلماء والأشراف وترقى المنبر فتبرئني مما قذفتني به من الفجور . ففعل ذلك ، فقتلت قتلة زوجها بأفحش قتل . فقال لها : هل بقيت لك حاجة ؟ قالت : نعم ، إن الملك أودعني وديعة وجعلها أمانة في عنقي ، إن أنا تزوجت أن أردها إليه ، فتأمر بفتح الناووس حتى أدفع الوديعة إليه . ففتح لها الناووس ، فدخلت وقلعت فصّ خاتم في يدها تحته سمّ ساعة فمصّته ، ثم اعتنقت أبرويز ولفت عليه يديها ورجليها حتى ماتت . فلما أبطأت على الحواضن والخدم صاحوا بها فلم تجب ، فدخلوا فوجدوها ميتة معانقة لأبرويز ، فرجعوا فأخبروا شيرويه ، فندم ندامة لا توصف ، وجعل يأكل أصابعه على صنيعها . قلت : وقد سبق في باب الحيل والمخاطرات ذكر جماعة قتلوا أنفسهم بسبب