ابن الجوزي
573
كتاب ذم الهوى
وحكى أبو عبد اللّه الحسين بن محمد الدامغاني ، قال : كان ببلاد فارس صوفي كبير ، فابتلي بحدث ، فلم يملك نفسه أن دعته إلى الفجور ، فراقب اللّه تعالى ثم ندم على هذه الهمّة ، وكان منزله على مكان عال ووراء منزله بحر من الماء ، فلما أخذته الندامة صعد على السطح ورمى بنفسه إلى الماء ، وتلا : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ( 54 ) [ البقرة ] فغرق في الماء . وذكر أهل العلم بالسّير ، أن شيرين ولدت بالمدائن ، وكانت يتيمة في منزل رجل من الأشراف في جوار هرمز أنوشروان ، وكان أبرويز صغيرا يدخل منزل هذا الرجل فيلاعب شيرين ويمازحها وتمازحه ، فأخذت في قلبه موضعا ، فنهاها الذي هي في منزله عن التعرض لأبرويز ، ثم رآها يوما قد أخذت من أبرويز خاتما كان في إصبعه ، فقال : ألم آمرك بترك التعرض لهذا الصبي ؟ ! لا تعرضينا للهلكة . ثم أمر بعض من يثق به أن يحملها إلى شاطىء الفرات ويغرقها ، فحملها إلى شاطىء الفرات ليغرقها ، فقالت له : ما الذي ينفعك من غرقي ؟ فقال : إني قد حلفت لمولاي ولا بد . قالت : فما عليك إلا أن تأتي بي موضعا من الفرات فيه ماء رقيق فتقذف بي فيه وتتركني وتمضي ، فإن نجوت لم أظهر ما دمت باقية ، وإن مت لكم يكن عليك شيء . قال : أفعل ذلك . فأتى موضعا فيه الماء إلى الركبة فزجّها فيه ، وتركها تضطرب ، وولى عنها لا يلتفت ثم وافى مولاه فأخبره وحلف له أنه أغرقها . ثم إنها تخلصت من الماء ، فأتت بعض الديارات التي على شاطىء الفرات فآوت إليه ، وأعلمت الرهبان أنها قد وهبت نفسها للّه تعالى ، فأحسنوا إليها . فلما استقر الملك لأبرويز بعد أبيه هرمز ووجه برسله إلى قيصر ، اجتاز الرسل بالدير ، فسألت شيرين عن ذلك ، فأعلمت أن القوم رسل أبرويز الملك ومعهم هدايا إلى قيصر ، وأخبروها بملكه وما آل إليه أمره ، فوجهت إلى رئيس الرسل منتصحة له تخبره أنها أمة للملك أبرويز ، وسألته إيفاد رسول إليه يخبره بمكانها ووجهت معه ذلك الخاتم . فأنفذ