ابن الجوزي

567

كتاب ذم الهوى

فلما سمعن ذلك منها أخذن بها في حديث آخر لتنسى ما هي فيه ، فتغافلتهن ثم قامت فلم يدركنها حتى ذبحت نفسها حياء مما كادت تركب بعده من الغدر به والنسيان لعهده . أخبرنا المبارك بن علي ، قال : أنبأنا علي بن محمد بن العلّاف ، قال : أنبأنا عبد الملك بن بشران ، قال : أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي ، قال : حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي ، قال : حدثنا العباس بن الفضل ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، عن أبي مسكين ، قال : ضلّت ناقة لفتى من تميم ، فخرج إلى حي من بني شيبان ينشدها ، فإنه لكذلك إذ بصر بجارية كأنها الشمس حسنا وجمالا ، فعشقها عشقا مبرحا فرجع إلى قومه وقد ذهب عقله ، فما تمالك أن رجع إلى حيهم ، فلما هدأ الليل قال : لعلي أسكّن بالنظر إليها بعض ما بي . فأتاها وهي جالسة وإخوتها نيام حولها ، فقال لها : يا قرة عيني قد واللّه أذهب الشوق عقلي وكدّر عليّ عيشي . فقالت : امض إلى حالك وإلا نبّهت إخوتي فقتلوك . فقال لها : إن القتل أهون عليّ من الذي أنا فيه . قالت : وهل يكون شيء أشد من القتل ؟ قال : نعم ما أنا فيه من حبك . قالت له : فما تشاء ؟ قال : أمكنيني من يدك حتى أضعها على قلبي ، ولك عهد اللّه عز وجل أني أرجع . ففعلت ، فرجع ، فلما كانت القابلة عاد فوجدها على مثل حالها فقالت له كقولها الأول ، فقال : تمكنيني من شفتيك حتى أرشفها وأنصرف فلما فعلت ذلك وقع في قلبها منه كهيئة النار . فأقبلت تلقاه كل ليلة فنذر به حيّها وإخوتها . فقالوا : ما لهذا الكلب قد أطال المكث في هذا الجبل وهو يتخطانا . فقعدوا لطلبه في ليلتهم تلك ، فأرسلت إليه أن القوم يريدونك فكن على حذر وإياك والغفلة . فجاءت السماء بمطر حال بينهم وبين طلبه ، ثم انجلت السحاب وطلع القمر ، فتطيّبت الجارية ونشرت شعرها وأعجبت بنفسها ، واشتهت أن يراها على تلك الحالة ، فقالت لترب لها قد كانت أطلعتها على شأنها : يا فلانة أسعديني على المضي إليه . فخرجتا تريدانه وهو على الجبل خائف من الطلب ، فبصر بشخصين