ابن الجوزي
566
كتاب ذم الهوى
سوف أبكيك ما حييت بشجو * ومراث أقولها وبندبة قال : فلما قالت ذلك طابت نفسه وفي النفس ما فيها ، فقال : أنا واللّه واثق منك لكن * ربما خفت منك غدر النساء بعد موت الأزواج يا خير من عو * شر فارعي حقي بحسن الوفاء إنني قد رجوت أن تحفظي العه * د فكوني إن متّ عند الرجاء ثم اعتقل لسانه فلم ينطق حتى مات . فلم تلبث إلا قليلا حتى خطبت من كل جانب ورغبت فيها الأزواج لاجتماع الخصال الفاضلة فيها من العقل والجمال والعفاف والحسب ، فقالت مجيبة لهم : سأحفظ غسّانا على بعد داره * وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشر وإني لفي شغل عن الناس كلّهم * فكفّوا فما مثلي بمن مات يغدر سأبكي عليه ما حييت بعبرة * تجول على الخدين مني فتكثر فيئس الناس منها حينا ، فلما مرت بها الأيام نسيت عهده ، وقالت من مات فقد فات ، فأجابت بعض خطابها فتزوجها ، فلما كانت الليلة التي أراد الدخول بها جاءها غسان في النوم وقد أغفت فقال : غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة * ولم تعرفي حقّا ولم تحفظي عهدا ولم تصبري حولا حفاظا لصاحب * حلفت له يوما ولم تنجزي وعدا غدرت به لما ثوى في ضريحه * كذلك ينسى كلّ من سكن اللحدا فلما قال هذه الأبيات انتبهت مرتاعة مستحيية منه ، كأنه بات معها في جانب البيت ، وأنكر ذلك منها من حضرها من نسائها ، فقلن : مالك وما حالك وما دهاك ؟ فقالت : ما ترك غسان بعده في الحياة أربا ، ولا بعده في الحياة سرور ورغبة ، أتاني في منامي الساعة فأنشدني هذه الأبيات . وأنشدتها وهي تبكي بدمع غزير وانتحاب شديد .