ابن الجوزي

564

كتاب ذم الهوى

بعض الخرابات ، فقلت له : أبا فلان ما حالك ؟ فقال : أسوأ حال : عقل هائم ، وغمّ لازم ، وفكر دائم ، ثم أنشأ يقول : تيّمني حبّها وأضناني * وفي بحار الهموم ألقاني كيف احتيالي وليس لي جلد * في دفع ما بي وكشف أحزاني يا ربّ فاعطف بقلبها فعسى * ترحم ضعفي وطول أشجاني ثم مررت به بعد أيام وهو يبكي ويتمرغ في التراب ، فلما رآني قال : يا عم إني ميت الليلة . فقلت : اللّه يشفيك . فقبض في ليلته . وقال إسحاق الرّافقيّ : كنت في مجلس بالرّافقة مع عدّة من الظرفاء وجماعة من الفتيان ، ومعنا فتى كأهيأ ما رأيت من الفتيان ، وعليه أثر ذلة الهوى ، يديم الأنين والبكاء . فغنت إحداهن : إني لأبغض كلّ مصطبر * عن إلفه في الوصل والهجر الصبر يحسن في مواطنه ما * للفتى المحزون والصبر قال : فنظر الفتى إليها وتبادرت عبراته ، ثم وثب على قدميه ووضع يده على رأسه وقال : غدا يكثر الباكون منا ومنكم * وتزداد داري من دياركم بعدا ثم رمى بنفسه فسقط مجدلا من قامته فحملناه ميتا .