ابن الجوزي

553

كتاب ذم الهوى

أن غربت الشمس لم يبرح ولم يجلس ، ويده على خده . فانصرفت عنه وهو كذلك واقف ، فلما كان الغد خرجت لأعرف خبره وما كان من أمره ، فصرت إلى القبر فإذا هو مكبوب لوجهه ميت ، فدعوت من كان بالحضرة ، فأعانونني على حمله فغسّلته وكفنته في ثيابه ودفنته إلى جانب القبر . أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي ، قال : أنبأنا أبو عبد اللّه محمد بن أبي نصر الحميدي ، قال : حدثني أبو محمد علي بن أحمد الفقيه الحافظ ، قال : حدثني أبو عبد اللّه محمد بن الحسن المذحجيّ الأديب ، قال : كنت أختلف في النحو إلى عبد اللّه محمد بن خطّاب النحوي في جماعة أيام الحداثة ، وكان معنا أسلم بن أحمد بن سعيد ابن قاضي قضاة الأندلس . قال محمد بن الحسن : وكان من أجمل من رأته العيون ، وكان معنا عند محمد بن خطاب أحمد بن كليب وكان من أهل الأدب والشعر ، فاشتدّ كلفه بأسلم ، وفارق صبره وصرف فيه القول مستترا بذلك ، إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة ، وتنوشدت في المحافل ، فلعهدي بعرس في بعض الشوارع والنكوريّ الزامر في وسط المحافل يزمر بقول أحمد بن كليب في أسلم : أسلمني في هوا * أسلم هذا الرّشا غزال له مقلة * يصيب بها من يشا وشى بيننا حاسد * سيسأل عما وشى ولو شاء أن يرتشي * على الوصل روحي ارتشى ومغنّ محسن يسايره ، فلما بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب ولزم بيته والجلوس على بابه ، وكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم سائرا أو مقبلا نهاره كله ، فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارا ، فإذا صلى المغرب واختلط الظلام خرج مستروحا ، وجلس على باب داره ، فعيل صبر أحمد بن كليب ، فتحيّل في بعض الليالي ولبس جبة